تصنيفات

يونيو 13, 2021

أحداث فلسطين.. المثقف يمارس مقاومته عبر المنصات وحضور “خجول” بالمظاهرات الاحتجاجية – Alghad

عزيزة علي

عمان- ذهب كتاب أردنيون الى أن المثقف الأردني حاضر ويمارس مقاومته ووعيه بأشكال كثيرة تصبُّ في مجملها في تجذير الوعي بالهوية الإنسانية، إيمانا بحق الشعوب بأن تعيش بحرية بكرامة، ككل شعوب الأرض الحرة، لافتين الى أن المثقف يتواجد بقوة على مواقع التواصل الاجتماعي، مستنكرا ورافضا ما يجري في فلسطين، سواء بالشعر أو استنهاض همم الجماهير.
غير أن الوقفات الاحتجاجية ضد ما يجري في داخل فلسطين، يحضر المثقف فيها بشكل “خجول”، منوهين إلى الدور الذي تقوم به وسائل التواصل في إيصال صوتهم ومساندتهم الشعب الفلسطيني، رغم حظر وإيقاف الصفحات الداعمة لانتفاضة الشعب الفلسطيني في الداخل.
الناقد والفنان التشكيلي غازي انعيم، يرى أن المثقف العربي الأردني الحقيقي والمشتبك لا يقل شأنًا عن مثقفي العالم، فهو قادر على حمل قضايا أمته والدفاع عنها، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وهي أمانة في عنقه، مبينًا أن الأحداث التي تجري فوق الأرض الفلسطينية التاريخية، عرت بعض المثقفين الذين سقطوا في أول اختبار حقيقي، لاسيما أنهم كانوا يرفعون شعارات مضللة من أجل تسويق ذاتهم بدل أن يسهموا في توجيه أقلامهم وأدواتهم المختلفة نحو تعرية المطبعين والمستسلمين ورفع الروح المعنوية لدى أبناء الأمة التي تناضل من أجل عزتها وحريتها وكرامتها.
ويشير انعيم الى أن الانتفاضة الباسلة استطاعت، بفضل مقاومتها ومقاومة شعبها، أن تجعل أبناء الأمة العربية يلتفون حولها ويوظفون كل الوسائل الإعلامية وشبكات التواصل الاجتماعي للدفاع عنها ولتعرية العدو الصهيوني وحلفائه، ونجحوا في ذلك.
الكاتبة والباحثة الدكتورة حياة حويك عطية، تتساءل: هل ينتظر المثقفون أن يرسل لهم أهالي الشيخ جراح عطايا، لينظموا تظاهرة أمام رابطة الكتاب؟ وأمام نقابة الفنانين؟ وأمام نقابة الصحفيين؟ كم يحتاج الأمر من ضحايا ومن أطفال في فلسطين كي يحملوا صورهم ويقفوا في الشوارع ويرفعوا اليافطات والصوت؟
وتأسف لما وصل اليه هؤلاء بعد ما شهدناه طوال العقد الأخير من لهاث وراء عشرات التنظيمات البديلة ممن يسمي نفسه مراكز أبحاث أو مواقع إلكترونية أو جمعيات تحمل عناوين براقة وكلها لا تعمل إلا على شراء ذمم الذين يعتقدون أن لقب مثقف يكفي لتقديم أوراق اعتماد لدى هذا المصرف أو ذاك، كما لا ننسى الجوائز فلم يعد الكتاب ينامون إلا على حلم هذه الجائزة أو تلك، التي تؤمن لهم مبلغاً يرضي طموحاتهم المادية وتؤمن لهم تسويقاً لاسمهم ونرجسيتهم، لدى دوائر معينة ولا يهم بعدها الوصول إلى الناس.
وعن حجة أن المثقفين لا يصلون دون تسويق وترويج، تقول عطية “من الذي سوّق بدر شاكر السياب، وحنا مينا، وممدوح عدوان، وتيسير سبول، وجمال الغيطاني، وسهيل إدريس، ومعين بسيسو وغيرهم؟”، وهم من جيل ما قبل الجوائز التي بات الكثيرون يكتبون وفقاً لشروطها، مستغربة من إنتاجات البعض التي تخضع لمنطق اقتصاد السوق، بمعنى أنه عليك أن تنتج البضاعة التي يطلبها السوق وتسوقها الدعاية، أما حلم التغيير ومسؤولية القضايا الكبرى، فتكون غائبة.
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الشاعر أكرم الزعبي، يقول: “إن الحياد في المواقف الوطنية الكبرى جريمة، فلا حياد عندما يتعلق الأمر بقضية وطنية عقدية، نعم يغيب بعض المثقفين عن هذه القضايا الكبرى، ربما لأجندات خاصة بهم، وربما خوفًا من سلطة معينة، أو طمعًا في مغنم أو جائزة، والبعض يظل على الحياد حتى تنقشع الغيوم ليبني موقفه على موقف الأغلبية، لكن هؤلاء هم الخاسرون لأن القضايا الكبرى والأحداث العظيمة هي الرابحة دائمًا، ولها ذاكرة لا تنسى، ومن يتغيب عن هذه الذاكرة فإنه يُجلّل بالخزي والعار”.
ويرى الزعبي أن المثقف الأردني، حاضر وبقوة على مواقع التواصل الاجتماعي بالاستنكار ورفض ما يجري في فلسطين بالقول والشعر واستنهاض همم الجماهير، وحاضر بخجل في الوقفات الاحتجاجية ضد ما يجري هناك، مبيناً أن رابطة الكتاب الأردنيين تعمل من خلال مجلس نقباء النقابات المهنية على الأرض والميدان لتقديم المساعدات الطبية والإنسانية، ودعت الرابطة أعضاءها للتبرع بالدم للأهل في فلسطين، وقامت الهيئة الإدارية بالتبرع بثلث رصيد الرابطة لصالح دعم صمود أهلنا في فلسطين، وبدأنا باستقبال التبرعات العينية والنقدية في مقر الرابطة.
ومن جانبه، يرى الأكاديمي د. يوسف ربابعة أن للكاتب والمثقف دورًا في أي مجتمع منوط بما يأمل الناس منه، ومن المفترض أن يكون حاضرًا في أي قضية تمس وطنه أو أمته، ولا يقبل منه أن يغيب في مثل هذا الوقت، ومطلوب منه أيضًا أن يتخذ موقفًا مساندًا للحق والعدل والوقوف في وجه الظلم والاعتداء على الناس، وليس بالضرورة على المثقف أن يتخذ موقفًا خاصًا -مع أهميته- لكن على المثقف أن يقدّم تحليلًا وقراءة للقضايا الراهنة، وبخاصة القضايا المصيرية التي يبنى عليها مستقبل الشعوب والأوطان.
ويرفض ربابعة غياب الكتّاب عن الاعتداء الذي تمارسه دولة الاحتلال على الشعب الفلسطيني، وهي قضية عادلة وتخص أرضًا عربية ووطنًا وشعبًا ننتمي إليه وينتمي إلينا، مبينًا أنه لا عذر للكاتب أن يسكت، مراعاة لمصالح شخصية ومكاسب مادية بسيطة مقابل مصائر شعب وتاريخ، ويعد السكوت جريمة يرتكبها بحقه وبحق من يعولون عليه أن يكون قائدًا لهم في مثل هذه الظروف.
الباحث والكاتب كايد هاشم، يقول: “يفترض أن دور المثقف مستمر وغير مرتهن بأحوال عادية أو غير عادية، فهو من يحمل تاريخيًا وبحكم مسؤوليته عن الضمير الجمعي، القضايا الكبرى في تجلياتها الفكرية والإبداعية، ولذا فإن الخطاب الثقافي الرؤيوي هو الرديف الأقوى للخطاب العام في مختلف الظروف”، مبينا أن المثقف الأردني لم يكن في يوم من الأيام بمعزل عن قضايا أمته ووطنه ومجتمعه، فهو بحكم التكوين التاريخي لدوره في وطن يحمل رسالة العروبة النهضوية، ما يزال متفاعلًا مع محيطه العربي والإنساني، وهو الأقرب إنسانيًا ووجدانيًا وجغرافيًا إلى القضية المركزية للعرب والعالم الحرّ في فلسطين، بل المعني بها مباشرة كما كل قضية لها مساس مباشر بكيان الأمة وهويتها ووحدة الصف والموقف.
فيما يعتقد الشاعر يوسف عبد العزيز أن المثقف بشكل عام لم يغب عما يحدث في فلسطين، فمنذ ما قبل النكبة في العام 1948 حتى الآن، وظل الشعراء والكتاب الفلسطينيون والأردنيون والعرب يهتفون في قصائدهم ونصوصهم لفلسطين، ويناصرون القضية الفلسطينية، لافتًا إلى أن المشكلة، برأيه، تكمن في العصر الراهن في التبدلات العميقة التي أصابت عملية النشر، فانتقلت هذه العملية من النشر الورقي إلى الفضاء الإلكتروني، فأصبح لدينا “فيسبوك”؛ مكان ينشر الكتاب فيه تأييدهم للمقاومة الفلسطينية، التي تتصدى للعدوان الصهيوني على كل من الشيخ جراح والمسجد الأقصى وقطاع غزة، وبتنا نرى كل يوم أعداداً كبيرة من الكتاب الذين يمنعهم “فيسبوك” عن الكتابة حين يتعلق الأمر بمواقفهم المناوئة للصهاينة المحتلين.
ويرى عبد العزيز أن المؤسسات الثقافية العربية، التي ينبغي أن يصل من خلالها صوت الكتّاب إلى الجمهور العربي الواسع، هي مؤسسات، محاربة ومهمشة من قبل الأنظمة العربية، إن هذه الأنظمة لا تكاد تنفق شيئاً على الثقافة.
فيما ترى القاصة والكاتبة د. هدى فاخوري، أن كلمة مثقف واسعة ومتشعبة وتشمل أعداداً كبيرة من المواطنين الذين يصنفون كمثقفين، أما إذا كان المقصود موقف المؤسسات الثقافية في الأردن، ومنها رابطة الكتاب والنقابات ونقابة الصحفيين وغيرها من المؤسسات في المحافظات، فقد تظاهر منتسبوها وأصدروا البيانات، وفتحوا باب التبرعات. “وأعتقد أن هذا لا يكفي في مثل هذا الموقف الخطير”، لافتة إلى أنه “رغم وجود ترهل في مواقف معظم الكتاب والمبدعين العرب “المثقفين”، بسبب ما يسمى بالمال السياسي، إلا أن ما جرى ويجري الآن سيفرز مواقف جديدة وجذرية لمن صمد ولم يخضع لمنطق الأمر الواقع”.
وتشير إلى أن ضمير الأغلبية صاحٍ ولا يقبل الظلم الذي يتعرض له الشعب في فلسطين، “ولن تتحرر فلسطين ولن تتحرر إرادتنا إلا بامتلاك القوة، فما أُخذ بالقوة لن يعود إلا بالقوة، وتظل الثقافة الوطنية والقومية هي الحضن والحصن المنيع ضد انهيار المثقف وغير المثقف”.
الشاعر مهدي نصير، يقول: “إن المثقف الأردني والمثقف العربي الحقيقي لا يغيب عن الواقع وعن الأحداث الكبيرة في مجتمعه، فدور المثقف الحقيقي هو تغيير الواقع المتخلف والمريض والمهان والمستعبد والبحث دائماً عن نوافذ الأمل والمقاومة والتحرر، ما يجري الآن في فلسطين حلمنا وأملنا ورهاننا أن هناك طاقةً كامنةً عميقة الجذور تتراكم ولا تموت وتبحث عن لحظات تجليها القادرة على الاستمرار”.
وينوه إلى أن المثقف الأردني حاضر ويمارس مقاومته ووعيه بأشكالٍ كثيرةٍ تصبُّ كلها في “تجذير الوعي بهويتنا الإنسانية وكرامتنا وإيماننا بحق شعوبنا أن تعيش بحريةٍ وكرامةٍ ككل شعوب الأرض الحرة، ومعركتنا ما تزال طويلة وبحاجةٍ لأشكالٍ جديدةٍ وأصيلةٍ للمقاومة الدائمة كنهج حياة وكدربٍ، لا بد أن نسلكه لنصل للماء والحرية والكرامة”.
ويرى نصير “أن المقاومة نهجُ كرامةٍ ونهجُ حياةٍ يواجه تحديات الحياة وتحديات الأمة ويعمل على تجذير روح المقاومة في كل أشكال حياتنا وسلوكنا في البيت والعمل والسوق والحارة ووسائل التواصل المختلفة، وهنا لا بد من الحديث عن دور المؤسسات الثقافية والنقابات كنقطة اجتماع قادرة على أن تقود وتؤطر وتوظف الجهود الفردية للمثقفين والمهنيين في إطارها الوطني والقومي المقاوم”.
القاص أحمد أبو حليوة، يرى أن المثقف الأردني عبر من خلال إبداعاته وبشتى السبل والأشكال عن موقفه تجاه الأحداث الكبرى، وإن كان أثره لم يعد كما السابق في ظل انتكاسات عديدة ومتعاقبة تعرض لها هذا المثقف واضطر لتقبلها والرضوخ لوقائعها على الصعيد العام، علماً أن كثيراً من المثقفين على الصعيد الشخصي يرزح تحت نير الفقر والكثير من الضغوطات الاقتصادية والاجتماعية، وهذا ما يجعل أثره بسيطاً أو شبه غائب.
ويشير أبو حليوة إلى أن المثقفين الأردنيين ملتحمون تلقائياً بأحداث فلسطين بحكم الأصل أو بحكم التاريخ المشترك والأصيل الذي جمع هذين الشعبين الشقيقين بهذه الوحدة والصورة الخلابة منذ عقود، التي رأينا فيها مقابر للشهداء الأردنيين في فلسطين خلال أحداث النكبة (1948) أو النكسة (1967)، وبالمقابل رويت أرض الكرامة بدماء الشهداء الفدائيين الفلسطينيين جنباً إلى جنب مع إخوتهم أبطال الجيش الأردني إبان عرس الكرامة التاريخي (1968)، وهذا يعني أن من كان حاضراً في الماضي، لا بد أن يكون حاضراً في الحاضر، تمهيداً للوصول إلى مستقبل مشرق بالنصر والحرية.
الروائي أحمد أبو سليم، يقول “إن المثقف الأردني لا يستطيع أن يضع رأسه في الرمال كالنعامة أمام أي حدث يتعلق بفلسطين، وذلك نابع من المكونات الطبيعية للهوية الأردنية، وبنيتها التأسيسية المتداخلة بالهوية الفلسطينية، بدءاً من أدق تفاصيلها، وليس انتهاء بوحدة المصير”، لافتًا إلى أن صمت بعضهم يعد صمتًا مخزيًا، وهو خاضع لأجندات شخصية، وهم قلة قليلة أولئك الذين لم نسمع لهم صوتًا منذ بداية الأحداث في فلسطين”.
ويعتقد أبو سليم أن الأمر مرتبط بالمصالح الشخصية البحتة، معتبرًا أن الجوائز الثقافية عملت على تدجين الثقافة والمثقفين، وعملت على إعادة تشكيل وعي بعض المثقفين الذين أصبحوا يضعون رقيباً داخلياً على أنفسهم لحظة الكتابة خوفاً من إغضاب هذه الجهات، وأصبح بعض المثقفين منساقين وراء وهم الشهرة والمجد والدعاية الإعلامية الكبيرة التي توفرها هذه الجهات لأعمالهم المتماهية أصلًا مع ثقافة التصالح مع العدو، أو التعايش معه، على حساب قضايا الأمة الكبرى، هؤلاء لا يعول عليهم، لأنهم بعيدون عن نبض الشارع.