تصنيفات

يونيو 13, 2021

دكتاتور بايدن المفضل

تمت العملية بنجاح وتحقق المراد، وحصل عبد الفتاح السيسي على مكالمتين مجانيتين من جو بايدن، بعد أن ظل منبوذًا مهجورًا طوال ستة أشهر، كان الرئيس الأميركي خلالها يمعن في إهانته، وتهديده بأنه سوف يدفع حساب طغيانه واستبداده.
وحدها صواريخ المقاومة انتشلته من تحت ركام التجاهل والازدراء، حين راح يتملقها ويدّعي وصلًا بها، فالتفت إليه الأميركي، وقرّبه إليه، حتى سكتت المدافع، فانتعشت لغة الكلام التي كانت قد تعطلت منذ إعلان فوز العجوز بايدن برئاسة الولايات المتحدة.
نظرة سريعة على الخطاب السياسي والإعلامي لنظام السيسي، قبل مكالمة بايدن وبعدها، تكشف أن الود الذي اشتعل فجأة تجاه المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس، لم يكن سوى تعبير عن انتهازية وصفاقة متجذّرة وجدت في الصمود الفلسطيني وسيلة لابتزاز الإدارة الأميركية، ولفت نظرها للوظيفة المعطّلة: سمسار التسوية وعرّاب التهدئة.
ما إن تحققت هذه الغاية، حتى عاد إعلام السيسي رويدًا رويدًا إلى سيرته الأولى، فبدأ الكلام عن أن غزة شيء و”حماس” شيء آخر، وأن مصر السيسية لا تساعد المقاومة الفلسطينية، وإنما تساعد الفلسطينيين في غزة، على الرغم من أن الصغير قبل الكبير يعلم أن العنوان الصحيح لغزة هو مقاومتها، وأن المقاومة هي ابنة هذا الشعب، الذي يحتضنها ويرعاها، ويجد فيها كبرياءه وكرامته وجوهر وجوده ومصدر بقائه.
معلوم أيضًا بالضرورة أن الكلام عن مساعدة الشعب الفلسطيني في غزة محض أكاذيب ودعايات فجّة، إذ إن هذا الشعب واقع تحت حصار لعين من السلطات المصرية منذ سبع سنوات، ومعبر رفح شاهد على ذلك، وهو المعبر المغلق طوال الوقت، ولا يفتح إلا حين يقرّر نظام السيسي فتحه لحظات عابرة.
في وصفه مكالمته الثانية خلال أسبوع فقط، قال السيسي، عن اتصال رئيس أميركا، “سعدت اليوم بحديثي المطوّل مع فخامة الرئيس بايدن، والذي اتسم بالتفاهم والصراحة والمصداقية في كافة الموضوعات التي تهم البلدين والمنطقة.. وأود أن أؤكد أن الرئيس بايدن يتمتع برؤية ثاقبة وخبرة متميزة تتسم بالواقعية في كافة الملفات، بما فيها ملف العلاقات الثنائية”. و”أجد انه قادر بامتياز بحنكته وخبرته أن يصنع حلولاً جذرية لكافة المشاكل والتحديات التي تحيط بالعالم والمنطقة داعياً من الله أن يكلل جهوده بالنجاح والتوفيق والسداد”.
هذه الوصلة من التزلف الرخيص تأتي بعد أيام من تصريح بايدن، والذي هو في ظني أسوأ من وعد بلفور وصفقة ترامب، والذي قال فيه بوضوح “لا وجود لسلام في الشرق الأوسط بدون قبول جيران إسرائيل بوجودها كدولة “يهودية مستقلة”، شارحًا “دعونا نتحدّث بوضوح هنا، حتى تعترف المنطقة بأسرها، وبشكل لا لبس فيه بالحق الوجودي لإٍسرائيل كدولة يهودية مستقلة لن يكون هناك سلام”.
ضع وقاحة بايدن، وهو يعلن بوضوح “الدولة اليهودية على أرض فلسطين” بجانب تغزّل السيسي في حكمته ورؤيته الثاقبة، ودعواته إلى الله بأن يكلّل جهوده بالتوفيق والنجاح، ستعرف مع من يقف السيسي، ولمصلحة من يسخّر مجهوداته ونضالاته الزاعقة التي طفحت على السطح فجأة، وستدرك أن القصة لم تكن أبدًا أن ضميرًا إنسانيًا استيقظ فجأة، أو حسًا قوميًا نبت بلا مقدّمات، فاندفع صاحبه نحو غزة وفلسطين، حاملًا خمسمائة مليون دولار، ومرتديًا أزياء بابا نوبل، ممتطيًا جواد صلاح الدين الأيوبي ممسكًا بسيفه.
ستعرف أن القصة كانت اتجارًا بالمقاومة، واستثمارًا مؤقتًا فيها، فلما تحقق الربح، عادت المقاومة ملعونة، وما عاد اسم الاحتلال يسمى “الكيان الصهيوني” في إعلام تجّار السيراميك الناطق بلسان تجار الموت والخراب.
لقد احتاج جو بايدن أقل من ستة أشهر، لكي يستعيد أدوات دونالد ترامب في إدارة العلاقات الأميركية المصرية، فيما لم يكن السيسي بحاجةٍ إلى أكثر من ستة أيام، لكي يستعيد أدوات حسني مبارك، ويسترد وظيفته في المنطقة، جسرًا تعبر فوقه مركبات التطبيع من كل الأحجام والأوزان.
هي لحظة تكشف عن أن السيسي لم يكن فقط الدكتاتور المفضل لترامب، الجمهوري الوقح الواضح في صفاقته وشعبويته، بل هو كذلك دكتاتورٌ مفضل، لا غنى عنه، لبايدن الديمقراطي الهادئ ذي التهذيب المصطنع، مع فارق بسيط بين الأميركيين الاثنين: أن الأول، ترامب، كان ينحاز إلى الصهاينة، للتربّح والتكسب والاستثمار في المضمون، فيما الثاني يبدو صهيونيًا، قولًا وفعلًا، عن التزام أيديولوجي صارم.
الشاهد أن واشنطن لا تسمح بغير هذه النوعية التي يجسّدها السيسي في حكم مصر، ذلك أنه حين يتعلق الأمر بالكيان الصهيوني، فلا فرق بين ديمقراطي وجمهوري، ومن ثم فالسيسي هو الدكتاتور المفضل للإدارة الأميركية، باختلاف ألوانها السياسية، حتى وإن بدت في أوقاتها الديمقراطية مهتمةً بالحريات والديمقراطية، فإن هذا الاهتمام لا ينبغي بالنسبة لها أن يطغى على التزامها الوجودي بالاحتلال الصهيوني، وهذا ما بحّت أصواتنا في لفت الانتباه إليه، مع لوثة الأفراح والاحتفالات بفوزه من جانب من أسميتهم “المتبيضنين العرب” الذين كانوا يمعنون في تلعيب الحواجب وتطليع الألسنة لأيتام دونالد ترامب الحزانى على سقوطه من جمهور المستبدّين العرب.