تصنيفات

يونيو 15, 2021

الصين.. الولايات المتحدة وحماية المسلمين في غزة – Alghad

بقلم: ايال بروبر

نشبت الأزمة بين إسرائيل وحماس في غزة بينما كانت الصين الرئيس الدوري لمجلس الأمن، فشكلت لها فرصة لتعزيز المصالح القومية، ولا سيما في سياق سينغ يانغ، فيما تناكف سياسة الولايات المتحدة تجاه المسلمين. وذلك في ظل إبراز قدرة الصين على أداء دور ذي مغزى أكبر في النزاع الشرق أوسطي، بما في ذلك في استضافة محادثات مباشرة بين إسرائيل والفلسطينيين. استخدم الناطقون بلسان وزارة الخارجية الصينية وأكاديميون صينيون الأزمة المحلية في غزة كفرصة أخرى لتوجيه إصبع اتهام تجاه ما يرونها كسياسة أحادية الجانب ومنحازة للولايات المتحدة التي تواصل دعم إسرائيل ولا تساعد حقوق الإنسان للمواطنين الفلسطينيين في غزة. فقد قالت هوا شون ينغ الناطقة بلسان الخارجية الصينية في 14 أيار، في ردها على سؤال مراسل “الجزيرة” عن العمل اللازم تجاه إسرائيل، فقالت “إن الصين بصفتها الرئيس لمجلس الأمن تعمل بشكل عملي للتوسط بين الطرفين، ولكن الولايات المتحدة وحدها تمنع بيانا في الموضوع. فهي تدعي أنها تحرص على حقوق الإنسان للمسلمين، ولكن عندما يصاب عدد كبير من الفلسطينيين المسلمين، فإن الولايات المتحدة تغمض عيونها أمام معاناتهم وتمنع شجبا عالميا. وفي الوقت نفسه تقيم الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، مع بريطانيا وألمانيا لقاءات عديمة المعنى في موضوع سينغ يانغ بهدف إطلاق اتهامات عابثة ضد الصين. وتساءلت الناطقة “ما النية الحقيقية للولايات المتحدة بالنسبة لهذه المهزلة السياسية؟ على الولايات المتحدة أن تتذكر بأن حياة الفلسطينيين المسلمين مهمة وعزيزة”.
إن قرار وزير الخارجية الصيني وانغ لي بان يقود شخصيا جلسة خاصة لمجلس الأمن في بحث مفتوح في الأزمة في غزة في 16 من الشهر الحالي يأتي لتشديد الأهمية التي توليها الصين للمسألة وموقف الصين من إيجاد حل عادل للمشكلة الفلسطينية، بخلاف الولايات المتحدة. في المعلومات التي وزعتها الصين قبل اللقاء الخاص في مجلس الأمن نشرت محادثات أجراها وزير الخارجية الصيني والسفير الصيني الى الولايات المتحدة قبل اللقاء. وضمن أمور أخرى، أوضح وزير الخارجية وانغ، في حديث مع وزير الخارجية الباكستاني، أن السبب الأساس للوضع الحالي يقع في السياسة المغلوطة التي مارستها في السنوات الأخيرة إدارة الرئيس ترامب والتي تجاهلت الحاجة لمواصلة مسيرة السلام في الشرق الأوسط وتحقيق حل الدولتين فتسببت بذلك بضرر متواصل بحقوق الإنسان الفلسطيني.
ونشر السفير الصيني في الأمم المتحدة يانغ يون معلومات عن لقاءات تمهيدية مع تركيا أجرتها الجامعة العربية قبل اللقاء في ظل “فهم همومهم”. الى جانب ذلك لم تنشر محادثات أجرتها الصين مع جهات إسرائيلية، رغم الأهمية في فهم دوافع الطرفين قبل عقد اللقاء. كما أن الصين لم تدرج في المسودات التي اقترحتها لبيان مجلس الأمن موقف إسرائيل بما في ذلك بالنسبة لإطلاق الصواريخ على المدن في إسرائيل من قبل حماس والجهاد الإسلامي، وهو الموقف الذي أدى الى الفيتو الأميركي على المسودات الصينية.
في الجلسة العلنية الخاصة لمجلس الأمن، دعا وزير الخارجية الصيني الى إيجاد حل دبلوماسي للنزاع. رغم أنه لم يهاجم إسرائيل بشكل مباشر ودعا كل الأطراف الى وقف العنف ضد المدنيين والموافقة على وقف نار فوري، أضاف دعوة لإسرائيل لإبداء ضبط النفس في استخدام القوة. وشدد وزير الخارجية الصيني على أن مجلس الأمن لم ينجح في بلورة بيان مشترك وذلك فقط بسبب “دولة واحدة”، واستطرد قائلا إن على الأمم المتحدة أن تؤدي دورا فاعلا أكثر في السعي الى حل الدولتين. وعلى حد قوله، فإن الصين كـ”صديق حقيقي للشعب الفلسطيني”، ستعزز جهودها لدفع المفاوضات الى الأمام بموجب خطة “النقاط الأربع” للرئيس سي جين فينغ من العام 2017. كجزء من ذلك كررت الصين الدعوة لإسرائيل والفلسطينيين للوصول الى الصين وإجراء محادثات مباشرة.
إن توجيه الأزمة الحالية الى موجات المواجهة المتواصلة مع الولايات المتحدة، في ظل تعزيز الرواية في أن الصين هي صديقة الفلسطينيين والمسلمين يأتي بمساعدة الصين في جوانب عدة، أساسها تحقيق المصالح القومية الصينية وليس بالذات حرصها على حل المشكلة الفلسطينية.
وضمن أمور أخرى، فإن الصين معنية أن تعرض أمام دول عديدة في العالم دور الصين كقوة عظمى مسؤولة ومعتدلة تعمل بلا كلل على إيجاد حل دبلوماسي من السلام في وقت الأزمة الإنسانية القاسية التي تعصف بالمسلمين، بخلاف الولايات المتحدة التي تمنع ذلك.
إن استخدام الأزمة الحالية في الشرق الأوسط لحرف النقاش الإعلامي والسياسي عما يجري في سينغ يانغ. وذلك بزعم أن الولايات المتحدة تعمل بالتوازي على دعاية زائفة ضد الصين في أنها تمس بالمسلمين في الوقت الذي ترفض فيه الولايات المتحدة نفسها مساعدة سكان غزة، في وقت الهجوم ضد المسلمين.
يغضب الصينيون من دعوات متزايدة في الولايات المتحدة لمقاطعة الألعاب الأولمبية الشتوية التي يفترض أن تجرى في شباط (فبراير) 2022 في بيجين بسبب معاملة الصين للمسلمين الايغوريين في سينغ يانغ. وهكذا في الأسبوع الأول من الحملة في غزة، وفي أثنائها نُشر في الصين وفي أرجاء العالم الإسلامي صور عديدة تضمنت مسا بالمواطنين الفلسطينيين، عرضت وسائل الإعلام الصينية بالتوازي صورا لاحتفالات عيد الفطر في أرجاء سينغ يانغ مع إبراز الحرية التي يحظى بها المسلمون في الصين، بخلاف الزعم الأميركي والغربي بالمس الصيني بهم. وكلما طال الوضع في غزة أكدت وسائل الإعلام الصينية رسائلها عن المس الإسرائيلي بالسكان المسلمين وبالدعم الأميركي الذي تحظى به إسرائيل.
إسرائيل، بغير إرادتها، أدخلت في هذا السياق من قبل الصينيين بشكل مباشر في المواجهة المتواصلة بين القوتين العظميين. في السنة الأخيرة لم تجر اتصالات رفيعة المستوى بين اسرائيل والصين. وذلك في الوقت الذي قام فيه مسؤولون صينيون، بمن فيهم وزير الخارجية بزيارات الى الشرق الأوسط وأجروا محادثات عديدة مع نظراء عرب ومسلمين. وضمت الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الصيني الى الشرق الأوسط في آذار (مارس) الماضي، إيران، تركيا، السعودية، اتحاد الإمارات، عُمان والبحرين. وإذا كان الصينيون حددوا إسرائيل في الماضي كواحدة من الدول الخمس المركزية في الشرق الأوسط (الى جانب مصر، السعودية، إيران وتركيا) وسعوا الى تعزيز التعاون معها في جملة من المجالات، يحتمل أن يشهد التجاهل الحالي على ميل صيني للتقدم في العلاقات مع دول أخرى في الشرق الأوسط، ولا سيما إيران، اتحاد الإمارات والسعودية، وليس بالذات مع إسرائيل، التي تعد شريكا استراتيجيا واضحا للجانب الأميركي.
إن استمرار التوتر بين الصين والولايات المتحدة في مسائل عالمية مختلفة يعزز الميل الصيني لمواصلة توثيق علاقاتها السياسية مع دول ذات مصالح مشتركة، بينها روسيا، إيران ودول إسلامية وعربية أخرى. وكجزء من ذلك، تؤكد الأزمة في غزة أكثر فأكثر الفجوات السياسية القائمة بين إسرائيل والصين.
إن تعاظم مكانة الصين وعرض قدرتها على القيام بدور مهم أكبر في الساحة الشرق أوسطية، بما في ذلك من خلال دعوة الإسرائيليين والفلسطينيين الى إجراء محادثات مباشرة في الصين، يستوجب على إسرائيل أن تؤكد تجاهها الرسالة التي تقول إن التجاهل السياسي وعرض طرف واحد من المعادلة في النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني، بما في ذلك في البيانات والتصويتات في الأمم المتحدة لن يسمح لإسرائيل بأن ترى فيها وسيطا نزيها في اتصالات مستقبلية لحل الأزمة في الشرق الأوسط.