تصنيفات

يونيو 15, 2021

التداعيات الجيوسياسية في العالم العربي وأثرها بأسواق الطاقة العالمية – Alghad

لهب عطا عبدالوهاب*

عمان- منذ بدء الأحداث السياسية التي طالت العديد من النظم العربية مع إطلالة العام 2011، والتي أفضت إلى زعزعة وتغير نظم راسخة فيما بات يعرف بـ(الربيع العربي)، والعاملون في الصناعة النفطية يحبسون أنفاسهم خشية أن يؤدي ذلك إلى توقف أو انقطاع الإمدادات، نظرا للأهمية القصوى لدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تزويد العالم بالطاقة. إذ حذرت العديد من المراكز البحثية من مغبة أي انقطاع ممكن في الإمدادات، لاسيما أن هناك تجارب تاريخية لانقطاع الإمدادات في المنطقة العربية، ما عزز من هذه المخاوف.
1 – موقع الطاقة في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مقارنة بالعالم.
تشير آخر البيانات المتاحة، حسب ما هو مدرج في التقرير الإحصائي السنوي الصادر عن شركة “بي بي”، إلى أن الاحتياطيات النفطية المؤكدة في العام 2020 وصلت إلى 816 مليار برميل تستأثر المملكة العربية السعودية بحوالي 20 % منها. ووصل إنتاج المنطقة للعام ذاته إلى 29 مليون برميل يوميا، وهو ما يعادل أكثر من ثلث الإنتاج العالمي. وبخلاف العديد من الدول المنتجة للنفط، فإن أغلب إنتاج المنطقة يتم تصديره للخارج وبنسبة تصل إلى
40 % من حجم تجارة البترول العالمية.
ومن الخواص الأخرى التي تميز دول المنطقة؛ احتفاظها بطاقة إنتاجية فائضة تتركز جلها في ثلاث دول من الدول الأعضاء في مجلس التعاون هي على التوالي كل من السعودية والكويت ودولة الإمارات. وقد مكنت هذه الخاصية من أن تلعب هذه الدول، وعلى وجه الخصوص المملكة العربية السعودية، ما بات يعرف في أدبيات الطاقة بالمنتج المرجح؛ حيث يمكنها ذلك من تأمين الأسواق بالإمدادات المطلوبة في حال حدوث أي انقطاع أو توقف مفاجئ، إلى ذلك فإن الاحتياطيات في دول مجلس التعاون الخليجي تعد من الأرخص على الإطلاق من حيث الاستكشاف والتطوير والإنتاج، إذ إن الكلفة الإجمالية لإنتاج برميل واحد من النفط في كل من السعودية والكويت والإمارات تتراوح بين 3 دولارات للبرميل كحد أدنى و5 دولارات للبرميل كحد أقصى، وذلك وفقا لتقديرات وكالة الطاقة الدولية.
2 – أمن إمدادات النفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
إن الدور المهيمن لدول المنطقة كلاعب أساسي في سوق النفط العالمي لما تتمتع به من احتياطيات نفطية وغازية جعل من أمن الإمدادات فيها قضية محورية لسياسات الطاقة للدول المستوردة للنفط. فإضافة إلى درجة اعتمادها بشكل كبير على هذا المورد الاستراتيجي، تتخوف الدول المستوردة من حدوث اضطرابات مادية قد تكبح التدفق الآمن للإمدادات، ما قد يحد من المعروض النفطي المتاح بما يفضي إلى ارتفاع مطرد وكبير في أسعار النفط. وكلنا نتذكر ما أفضت إليه الصدمات الكبيرة في الأسعار في سبعينيات القرن الماضي من تداعيات على صعيد الاقتصاد الكلي للدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إذ لطالما تم ربط الركود والانكماش الاقتصادي في هذه الدول، بالزيادة المفاجئة في أسعار النفط، لاسيما وأن قطاع المواصلات، الذي يعد عصب الحياة في اقتصادنا المعاصر اليوم، ما يزال يعتمد حتى يومنا هذا بشكل كبير على المنتجات المكررة من النفط الخام (الجازولين والديزل ووقود الطائرات). ويرى العديد من المراقبين، أن من أهم أوجه “أمن الطاقة” يتمثل في الحد من التوقف المفاجئ للإمدادات، لاسيما للنفوط التي مصدرها دول الشرق الأوسط المشهود لها تاريخيا بأنها حبلى بالعديد من القلاقل والاضطرابات. وهو ما سعت إليه الإدارات الأميركية المتعاقبة بدءا بالرئيس نيكسون في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، انتهاء بإدارة بايدن الحالية، من انتهاج سياسات تؤدي إلى تقليل الاعتماد على النفط الأجنبي المستورد بما في ذلك النفط العربي، من خلال تشجيع ترشید الاستهلاك والاعتماد على طاقات بديلة أخرى كالطاقة المتجددة، دون أن يكتب لها النجاح المنشود.
إن هذه الدعوات لتقليل الاعتماد على دول المنطقة لا تدعو للاستغراب؛ إذ شهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خلال العقود الماضية، حروبا وصراعات محلية وغزوات وثورات وأعمالا إرهابية أدت في محصلتها النهائية إلى فقدان ملايين البراميل الإنتاجية وإلى حدوث تقلبات حادة في أسعار النفط. إن تأميم النفط الإيراني خلال الفترة (1951-1954) أو ما يعرف بـ”ثورة الدكتور مصدق” أدت إلى خسائر تراكمية وصلت إلى 924 مليون برميل، في حين أدى الغزو العراقي للكويت صبيحة الثاني من آب (أغسطس) 1990 إلى خسائر كبيرة في الإنتاج وصلت إلى أكثر من 920 مليون برميل للفترة 1990-1991.
وترتب على الغزو الأميركي للعراق في ربيع العام 2003 حصول خسائر تراكمية وصلت إلى أكثر من مليار برميل في نهاية العام 2008. وتقدر الخسائر التراكمية في ليبيا بحوالي 300 مليون برميل، وهذا الرقم مرشح للارتفاع؛ إذ إن إعادة تعمير البنى التحتية المدمرة بعد ما ينوف على أربعين عاما من حكم القذافي، ستأخذ وقتا طويلا.
بيد أن أمن الإمدادات في منطقة الشرق الأوسط، ليس بهذه الصورة من القتامة، رغم ما خبرته المنطقة من تطورات وأحداث دراماتيكية، إذ حرصت دول الخليج العربي، على سبيل المثال، على تلبية متطلبات السوق من الإمدادات لمقابلة الطلب العالمي على النفط، ناهيك عن دورها كمنتج مرجح لامتصاص أي (صدمات) قد تصيب الإمدادات سواء تلك التي تتعلق بإمدادات المنطقة أو التي تعصف بالإمدادات من خارج المنطقة.
ولابد من التشديد عند التطرق إلى التوقف والاضطراب في إمدادات النفط، إلى ضرورة التمييز بين الآثار القصيرة الأجل لذلك التوقف، والتي تتمثل في الخسارة المباشرة في الإنتاج وأثر ذلك بالأسعار في المدى القصير. وبين الآثار الطويلة الأجل لذلك والتي تؤدي إلى خسائر في الطاقة الإنتاجية وإلى تراجع في الصادرات.
إن بعض هذه الاضطرابات، كتلك التي تحدث بسبب أعمال إرهابية، لها تأثير محدود بإمدادات النفط العالمية رغم التغطية الإعلامية الكبيرة التي تحظى بها مثل هذه الأعمال. وفي المقابل، فإن الاختلال في الإمدادات جراء الصراعات الدولية والحروب الأهلية لابد من أن يؤثر بشكل كبير بالإمدادات النفطية على المدى الطويل، أما العقوبات الاقتصادية الأحادية الجانب، كتلك المفروضة من قبل الولايات المتحدة على جمهورية إيران الإسلامية أو العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على وارداتها النفطية من سورية، فإن مثل هذه العقوبات سيكون لها أثر محدود على إمدادات النفط في العالم، إذ يمكن للدول التي تخضع لمثل هذه العقوبات تحويل الوجهة الجغرافية لنفطها الخام إلى وجهات جغرافية أخرى، وهو ما تعمل عليه الحكومة السورية حاليا من توجيه صادراتها النفطية الأوروبية إلى الدول الآسيوية لاسيما الصين والهند. بيد أن تأثير ذلك على المدى الطويل على الطاقة الإنتاجية لهذه الدول سیكون محسوسا؛ إذ إن العقوبات ستعني حرمان البلد من انتقال التكنولوجيا الحديثة إليها، إضافة إلى حرمانها من التمويل الدولي الميسر، مثل القروض التي تمنحها المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد الدولي.
3 – الآثار المباشرة للانتفاضات العربية على أسواق النفط
هواجس عدوى الانتقال: خامرت أسواق النفط العالمية مخاوف حقيقية من إمكانية انتقال الثورات العربية التي انطلقت شراراتها الأولى في تونس إلى دول أخرى مجاورة، بما فيها الدول النفطية. وقد أدى سقوط نظام مبارك في 11 شباط (فبراير) 2011 إلى خلق حالة من عدم اليقين في الأسواق، مع مخاوف من أن يؤدي ذلك إلى توقف الإمدادات المارة عبر أنبوب السويس البحر المتوسط (سومد) وإلى غلق قناة السويس. وبالرغم من أن مصر تعد من المنتجين الصغار، بید أن وجود قناة السويس التي تربط البحر الأحمر وخليج السويس بالبحر الأبيض المتوسط يسبغ عليها أهمية أستراتيجية؛ إذ يجعلها حلقة وصل مهمة لتجارة النفط الخام والمنتجات المكررة. وقد عبر القناة خلال الأشهر العشرة الأولى من العام 2019، على سبيل المثال، 1,990 مليون برميل يوميا منها أكثر من 60 % أو ما يعادل 1,179 مليون برميل يوميا على شكل منتجات مكررة. في حين تدفق عبر خط سومد ما يربو على 1,15 مليون برميل يوميا. إلا أن المخاوف بحدوث توقف في شحنات النفط لم تدم طويلا، إذ اتضح جليا للمراقبين أن المسؤولين هناك عاقدو العزم على إبقاء قناة السويس مفتوحة أمام الملاحة الدولية.

*اقتصادي عراقي متخصص في شؤون الطاقة