تصنيفات

يونيو 13, 2021

“مكافحة الفساد” تتسبب بأزمة جديدة في تونس

لم يحسم الجدل بعد في تونس حول رئاسة هيئة مكافحة الفساد، بسبب تعارض المواقف بين السلطات الثلاث في البلاد بشأن إقالة عماد بوخريص من رئاسة الهيئة وتعيين عماد بن الطالب خلفاً له، ما يهدد بتعطيل العمل في أهم هيئة رقابية لمكافحة الفساد والرشوة في الدولة التي تشهد صعوبات مالية بالغة وتزايداً في عمليات الفساد.

وطفت أزمة تسيير هيئة مكافحة الفساد، إثر إعلان رئاسة الحكومة، يوم الإثنين الماضي، عن تعيين بن الطالب رئيساً جديداً للهيئة خلفا لبوخريص الذي تمت إقالته دون الكشف عن الأسباب. وزاد الموقف غموضاً بعد إعلان الرئاسة التونسية استقبال رئيس الجمهورية قيس سعيد، رئيس الهيئة المقال بعد ساعات من الإعلان الحكومي، حيث “أطلع بوخريص، رئيس الدولة على كل الصعوبات التي واجهته في عمله وأسباب إقالته، فضلا عن الجوانب القانونية التي لم يقع احترامها في قرار تنحيته من منصبه” وفق ما أوردته الصفحة الرسمية للرئاسة.

ودخلت أحزاب ومنظمات مدنية، على خط القضية، لتعلن رفضها تعيين بن الطالب في رئاسة هيئة مكافحة الفساد، بسبب ما اعتبرتها شبهات فساد تحوم حوله تتعلق بتقديم تسهيلات لأقارب الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، حينما كان مسؤولا عن ملف مصادرة الأملاك، وكذلك تقديم تسهيلات لرجال أعمال.

وقال مهاب بن قروي، عضو المكتب التنفيذي لمنظمة “أنا يقظ” وهي منظمة مدنية متخصصة في إثارة ملفات الفساد، في تصريح لـ”العربي الجديد” إن “الرئيس الجديد لهيئة مكافحة الفساد تحوم حوله شبهات فساد وقد يكون متورطاً في تقديم تسهيلات في ملف الأملاك المصادرة لفائدة مروان المبروك صهر الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي”.

وأضاف بن قروي: “منظمة أنا يقظ رفعت منذ عام قضية ضد بن الطالب بتهمة تورطه في سوء إدارة ملف الأملاك المصادرة باعتباره رئيسا للجنة المصادرة، والقضاء التونسي استمع إلى أعضاء المنظمة في هذا الملف، غير أنه لم يبت بعد في القضية، لذا قانونياً وأخلاقياً لا يجوز تعيين رئيس لهيئة متخصصة في مكافحة الفساد وعليه شبهات سوء تصرف أو تورط في تقديم تسهيلات غير قانونية لأشخاص نافذين أو رجال أعمال”.

وتابع: “تكتم الحكومة على ملف فساد من الحجم الثقيل في الغالب وراء تنحية عماد بوخريص من منصبه، بعد بدء الهيئة التحري في هذا الملف وجمع مؤيداته”، مشيرا إلى أن منظمة “أنا يقظ” ستنشر هذا الأسبوع تفاصيل هذا الملف بعد تقديمه إلى القضاء في تهم تتعلق برجال أعمال.

وعماد بن الطالب، قاض وسبق أن شغل عدة مناصب في المحكمتين الابتدائية والعقارية، كما عمل لمدة ثلاث سنوات كقاضي تحقيق أول في القطب القضائي الاقتصادي والمالي، ويشغل منذ يناير/ كانون الثاني 2018 منصب رئيس لجنة المصادرة.

ورفض بن الطالب الإدلاء بأي تصريح حول دواعي رفض تعيينه رغم المحاولات المتكررة لـ”العربي الجديد” الاتصال به.

كما رفضت رئاسة الحكومة تقديم تعليق حول أسباب الجدل المثار حول الرئيس الجديد لهيئة مكافحة الفساد، وتصريحات مسؤولي منظمة “أنا يقظ” بشأن شبهات الفساد التي تحوم حوله.

وفي أعقاب الإعلان عن تعيين الرئيس الجديد لهيئة مكافحة الفساد، خرجت منظمة “أنا يقظ” ببيان يوم الإثنين الماضي، قالت فيه إن تسمية القاضي عماد بن الطالب رئيساً للجنة المصادرة من قبل رئيس الحكومة السابق يوسف الشاهد عام 2019، كانت “آخر هدايا يوسف الشاهد لرجل الأعمال مروان المبروك”، مشيرة إلى أن بن الطالب حاول إرجاع الممتلكات المصادرة إلى المبروك رغم وجود أحكام قضائية باتة بعودتها إلى الدولة.

والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، هي هيئة دستورية مستقلة تم إنشاؤها في 24 نوفمبر/ تشرين الثاني 2011، وذلك خلفاً للجنة تقصي الحقائق عن الفساد والرشوة التي أنشئت مباشرة بعد الثورة التونسية، والتي تهتم بمكافحة الفساد والرشوة.

وكان للهيئة في أغسطس/ آب الماضي دور كبير في الإطاحة بحكومة إلياس الفخفاخ، بعدما رفعت إلى القضاء ملفا يشير إلى تورط الفخفاخ في شبهة تضارب مصالح انتهت بسحب الرئيس قيس سعيد الثقة من الحكومة.

وعام 2020، قال رئيس الهيئة حينها شوقي الطبيب في مقابلة مع “العربي الجديد” إن الهيئة أحالت أكثر من 1500 ملف فساد، إلى القضاء المالي غير أن البت فيها لا يزال بطيئا ولم يتجاوز الـ15%.

وترفض أحزاب سياسية ممثلة في البرلمان الزج بهيئة مكافحة الفساد في الصراع السياسي الدائر في البلاد وتوظيفها لخدمة أحزاب أو أشخاص، معتبرة أن التعيين الأخير لعماد بن الطالب محاولة لتحويل مسارات البحث القضائي في القضايا المعروضة على المحاكم، خدمة لأجندات سياسية على حساب مطلب العدالة والمساواة أمام القانون.

وأشار زهير المغزاوي، أمين عام حركة الشعب في تصريح لـ”العربي الجديد” إلى ضرورة حيادية هيئة مكافحة الفساد وفضح المتورطين في الفساد، مطالبا الحكومة بنشر دواعي إقالة عماد بوخريص وتقديم مبررات مقنعة لهذا القرار للرأي العام.

وفي يناير/ كانون الثاني الماضي، قالت منظمة الشفافية الدولية، في تقريرها حول مؤشر مدركات الفساد للعام 2020، إن تونس حصلت على 44 نقطة من 100، مقارنة بـ45 نقطة عام 2019، وهي أعلى درجة تتحصّل عليها منذ 10 سنوات.

واحتلت تونس المرتبة 69 عالمياً في المؤشر بعدما كانت في المرتبة 74 في 2019. ويستند مؤشر مدركات الفساد إلى 13 استطلاعاً وتقييماً للفساد أجراها خبراء لتحديد درجة انتشار الفساد في القطاع العام في 180 دولة وإقليماً، عن طريق إسناد درجة تتراوح بين صفر (الأكثر فساداً) و100 (الأكثر نزاهة).

وبالرغم من هذا التقدم الضئيل، لا تزال تونس دون معدل 50 نقطة وهو ما يعكس نقصاً فادحاً في مقومات الحوكمة والشفافية في القطاع العام تزامناً مع التضييقات الممارسة على المبلغين عن الفساد في القطاع العام.

ولا يعد الخلاف الظاهر بشدة بين الحكومة والرئاسة التونسيتين بشأن ملف هيئة مكافحة الفساد هو الوحيد الذي يطغى على المشهد الاقتصادي والسياسي في البلاد، فقد شهدت تونس مطلع العام الجاري أزمة ناجمة عن رفض الرئيس عدداً من الوزراء الذين شملهم التعديل الذي أجراه رئيس الحكومة هشام المشيشي بسبب “شبهات فساد أيضا تحوم حولهم”، في حين تمسك المشيشي بتشكيل حكومته.

وبالتزامن مع هذه الأزمة كشفت منظمات مجتمع مدني عن تورط مسؤولين حكوميين كبار في الفساد، بينهم وزراء دخلوا ضمن التعديل الوزاري. وكثيرا ما يربط محللون اقتصاديون بين دور خفي لأصحاب رؤوس الأموال عبر منظمتهم “اتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية”، في رسم المستقبل السياسي للبلاد من خلال المجلس النيابي أو عبر دعم الحكومات ومحاولة التأثير على القرارات الاقتصادية الكبرى.

وقد شهد مجلس نواب الشعب الذي انتخب عام 2019 لدورة برلمانية تدوم 5 سنوات، حضورا غير مسبوق لأصحاب المال بعد صعود عدد كبير من رجال الأعمال إلى السلطة التشريعية.

ووفق الخبير الاقتصادي محمد منصف الشريف، في تصريحات سابقة لـ”العربي الجديد”، فإن تأثير النفوذ المالي في الساحة السياسية متوقع مع تعاظم نفوذ رجال الأعمال في أهم مؤسسة حكم في البلاد وهي البرلمان، مشيرا إلى أن هذه الظاهرة عالمية وليست استثناءً تونسياً.

وتأتي الخلافات المتعددة التي تشهدها الساحة السياسية والاقتصادية في وقت تعاني الدولة صعوبات مالية بالغة وتراجعاً اقتصادياً زادت حدته تداعيات جائحة فيروس كورونا الجديد.

وتحتاج تونس خلال العام الجاري إلى قروض تقدر بنحو 19.5 مليار دينار (7 مليارات دولار)، تشمل قروضاً أجنبية بحوالي 5 مليارات دولار، فضلاً عن ارتفاع معدلات البطالة التي تصل إلى 16.2%، إذ يبلغ عدد العاطلين عن العمل نحو 676 ألف شخص، وفق البيانات الرسمية، فيما ترجح أرقام غير حكومية أن يكون الرقم أعلى بكثير متجاوزاً المليون عاطل.