تصنيفات

يونيو 15, 2021

“متحف المسيحية المبكّرة”: إنقاذ قرطاج مجدّداً؟

موقع أثري في قرطاج وفي خلفيته القصر الرئاسي (Getty)

كثيراً ما تتحوّل زيارات مسؤولي الهيئات العالمية إلى مواعيد تنفيذ مشاريع مؤجّلة في العالم العربي. ذلك ما نشعر به حيال إعادة افتتاح “متحف المسيحية المبكرة” في قرطاج يوم الثلاثاء الماضي، التاسع من حزيران/ يونيو الجاري، إثر زيارة أدّتها إلى تونس المديرة العامة لمنظّمة “اليونسكو” أودريه أزولاي. ولعلّه من الوجيه التساؤل عن مصير المتحف لولا هذا النوع من الزيارات!

يشير افتتاح “متحف المسيحية المبكرة” في قرطاج فقط مع موعد زيارة رسمية إلى النزعة المناسباتية التي يتبنّاها العقل الإداري الذي يسيّر الشأن الثقافي في تونس. عقل لا يلتفت إلى المادة الأثرية التي تحتوي عليها البلاد إلا حسب روزنامة. الأمر أشبه بقاعدة لا تعرف الاستثناءات إلا نادراً، فمثلاً في الأشهر الأخيرة بدأ اهتمام مكثّف بجزيرة جربة بسبب قرب مواعيد زيارة لجان اليونسكو لدراسة ملفات المواقع المرشّحة إلى قائمة التراث العالمي، في حين أن الجزيرة تعاني منذ عقود من إهمال إيكولوجي قد يكون سبباً في عدم قبول ملفّها على الرغم من دسامة مقدّراتها التراثية وتنوّعها الحضاري. وفي الوقت الذي يجري فيه الاهتمام بشكل مكثّف بجربة، تبدو مدن أخرى مهملة مثل القيروان وقفصة وبنزرت وحتى تونس العاصمة وهي التي تضمّ رصيداً تراثياً زاخراً، ولعلّ أحداً لن يلتفت إليها ما لم تكن على أجندة منظمة عالمية.

منذ عقود، تعاني قرطاج هي الأخرى من الكثير من الإهمال. وقد يذكّرنا ذلك بالحملة التي أطلقتها اليونسكو نهاية ستينيات القرن الماضي “يجب إنقاذ قرطاج” (إعادة صياغة للمبدأ الذي رفعه الرومان في العصور القديمة: يجب تدمير قرطاج)، وكان من بين مخرجات تلك الحملة تأسيس “متحف المسيحية المبكرة”، حيث إن المنظمة العالمية سهرت وقتها على تنسيق عمليات البحث في المواقع الأثرية في قرطاج بعد توقّفها لعقود، وكان قد أطلقها الأثريون الفرنسيون في العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر، أي في بدايات المرحلة الاستعمارية، ثم توقّفت في فترة الاستقلال وهو ما أضاع الكثير من الجهود السابقة. كما عملت الحملة على التمييز بين مختلف المراحل التي عرفتها قرطاج القديمة، من المرحلة الفينيقية، إلى الرومانية، وصولاً إلى الفترة المسيحية حيث وقعت تحت حكم البيزنطيين ومن ثمّ جرى نهب المدينة مجدّداً عن طريق الوندال، قبل أن يتركها الفتح الإسلامي كمدينة ثانوية مع الاستقرار على جعل مدينة تونس القريبة منها العاصمة الإدارية والعسكرية لشمال البلاد.

تعاني قرطاج من إهمال الدولة والحسابات الأمنية المفرطة

أدّت جهود حملة “يجب إنقاذ قرطاج” إلى استخراج مادة أثرية متنوّعة ذهبت المتعلقة منها بالقرون الأولى بعد الميلاد إلى “متحف المسيحية المبكرة” الذي افتتح للعموم في 1984. وإلى جانب جهود اليونسكو، شاركت هياكل وزارة الثقافة التونسية في عمليات التنقيب إضافة إلى فرق بحث أميركية. ويضم المتحف اليوم مجموعة من القطع الأثرية الأساسية، أشهرها تمثال “غانيماد” وفسيفساء الطاووس، وهي قطعة وُجدت مجزّأة وجرى تجميع عناصرها على مدى سنوات. 

كأن هذه المادة الأثرية بقيت لسنوات تنتظر زيارة السيدة أزولاي. غير أنه من الجدير فهم أسباب الإغلاق، حيث إن المتحف كان قد تعرّض لسرقة أهم قطعة فيه (تمثال غانيماد) عام 2013، قبل أن تُستردّ القطعة في 2017. لكن مسألة تأمين قطع المتحف لا تمثّل الإشكالية الوحيدة التي عانى منها المتحف، حيث إنه مثل كثير من المتاحف التونسية بات يحتاج إلى إعادة تأهيل سينوغرافي يمكّن من تثمين المادة المعروضة فيه. 

أبعد من ذلك، يمكن الإشارة إلى انطفاء وهج قرطاج بالتدريج في العقود الأخيرة، حيث مثّلت هذه المدينة الأثرية فانتازماً فرنسياً في القرن التاسع عشر عبّر عنه الكاتب غوستاف فلوبير في رواية بعنوان “صلامبو”، كما مثّلت قرطاج رهاناً رمزياً للاستعمار الفرنسي، حيث إن تبنّي التنقيب على آثار المدينة الفينيقية القديمة كان يقطع الطريق أمام رواية إيطالية مفادها أن حدود إيطاليا تصل إلى حيث توجد الآثار الرومانية، وكانت هذه الرواية تمهيداً لإعلان إيطاليا أطماعها الاستعمارية في تونس، ومن هنا بدأ الاستثمار الفرنسي في الترويج لقرطاج حتى باتت مدينة ذات جاذبية على مستوى المخيال. 

كان من الممكن للدولة التونسية الحديثة استثمار كل ذلك سياحياً، غير أن توقّف التنقيب في الخمسينيات مع عودة الباحثين الفرنسيين إلى بلادهم كان قد أهدر تراكم العمل المنهجيّ. ومع تطاول مدة التوقّف عن التنقيب والبحث، جرى إهدار فرص قرطاج للتحوّل إلى مدينة ذات جاذبية عالمية كانت تخدمها السينما، كما أن وجود القصر الرئاسي فيها قد قطع الطريق على تطلّعات التنقيب، خصوصاً مع الهواجس الأمنية المبالغة التي كانت تحكم تونس زمني الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي.

هناك نزعة مناسباتية تحكم عمليات الترميم وافتتاح المتاحف

على صعيد آخر، جرى إهدار كل أمل في تطوير جاذبية قرطاج حين استثمرت الدولة سياحياً في بلدة سيدي بوسعيد القريبة منها، ولم تعد قرطاج غير مزار لنوعية من السوّاح الباحثين عن البعد الثقافي لتونس، وتنحصر جولة هؤلاء عادة في مساحة صغيرة، رغم أن للمدينة عدة مواقع متباعدة تعبّر عن تاريخها الطويل، أبرزها حمامات أنطونيوس، والميناء البونيقي والذي يبدو اليوم مهملاً تماماً، ويسري الأمر ذاته على “متحف المسيحية المبكرة”، إذ لا يمثّل محطة ثابتة في زيارات السوّاح ولا توجد دعاية كافية عنه من قبل مصالح وزارة الثقافة ليُقبل عليه التونسيون.

يطرح واقع قرطاج اليوم أسئلة كثيرة من المؤكّد أن إعادة فتح “متحف المسيحية المبكرة” لن تجيب عنها، فالمدينة تعاني من إهمال حقيقي لا ينتبه له كثيرون، فهي تعيش على هامش تونس العاصمة كضاحية خاصة بطبقة أرستقراطية مغلقة ولا تزال مختنقة بالحسابات الأمنية لوجود القصر الرئاسي فيها، كما لا يبدو أنها قد حظيت بمخطّط عمراني مدروس فحاصرتها الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية من كل اتجاه.

في 2015، نظّم مصوّر فوتوغرافي فرنسي يدعى أرتور بيرسيه معرضاً بعنوان “نهاية حكم قرطاج” كان يشير إلى معنى مزدوج بين نهاية إمبرطورية كبرى في العصور القديمة، ونهاية حكم زين العابدين بن علي الذي كان يسكن قرطاج. ربما لم ينتبه المصوّر الفرنسي إلى أن قرطاج تعيش النهايات مثل قدر. إنها مدينة محكوم عليها بالتدمير المستمر، إن لم يكن بالحرب فبالسياسات العشوائية. لا بدّ من إنقاد قرطاج مجدّداً.