تصنيفات

أغسطس 1, 2021

سد النهضة: إثيوبيا تتحدى مصر والسودان

يحظى الموقف الإثيوبي من السد بدعم شعبي داخلي (الاناضول)

قبل انعقاد جلسة جديدة لمجلس الأمن الدولي، بعد غد الخميس، لبحث ملف سد النهضة، بدا أن إثيوبيا تتحدى مصر والسودان عبر تخطيها مستوى الملء الأول للسد، بالتوازي مع إرسال إشارات على أنها مستعدة للدفاع عسكرياً عن السد، وذلك على الرغم من تأكيد رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد أن بلاده “ليست لديها نيّة لإيذاء الآخرين”. في المقابل، كان السودان يتشدد في موقفه، رافضاً الدخول بأي جولات تفاوض جديدة حول السد ما لم يتم الاتفاق على تغيير منهجية التفاوض بمنح دور أكبر للمراقبين والخبراء، فيما تسعى مصر لضمان ثبات الموقف السوداني بجانبها.

وفي جديد هذا الملف، كشفت مصادر فنية مصرية لـ”العربي الجديد”، أن إثيوبيا تخطت، أمس الاثنين، مستوى الملء الأول لسد النهضة، إذ أضيفت إلى بحيرة السد كمية تفوق 500 مليون متر مكعب من المياه في أربعة أيام فقط، ما يعني ارتفاع منسوب البحيرة إلى نحو 5 مليارات متر مكعب، وهو ما يعادل منسوبها في أغسطس/ آب الماضي في نهاية فترة الملء الأول. وأوضحت المصادر أن أي كميات من المياه سيتم تخزينها حتى الـ22 من الشهر الحالي ستمثل إضافة إلى المستوى السابق تخزينه في نهاية الملء الأول، إذ تدل المؤشرات على صعوبة تخرين أكثر من 5 مليارات متر مكعب إضافية، ليصل المنسوب النهائي للملء الثاني إلى 10 مليارات متر مكعب تقريباً من المياه، أي ضعف ما تم تخزينه في الملء الأول، وأقل بنحو 3 مليارات متر مكعب مما كان الإثيوبيون يطمحون إليه في الملء الثاني، لكنه سيكفي المرحلة الأولى التجريبية لتوليد الكهرباء، والمقررة في الأسبوع الرابع من أغسطس/ آب المقبل.

تخطت إثيوبيا أمس مستوى الملء الأول لسد النهضة، إذ أضيفت إلى بحيرة السد كمية تفوق 500 مليون متر مكعب من المياه في أربعة أيام فقط

وذكرت المصادر أنه لا صحة لما تردد عن بدء الملء الثاني هذا الأسبوع فقط، موضحة أن الملء مستمر منذ أسبوعين على الأقل، ولكن في الوقت ذاته ما زالت إثيوبيا تسمح بخروج المياه من السد إلى حوض النيل الأزرق لتصل إلى بحيرة سد الروصيرص، مع عدم رصد أي مؤشرات سلبية لبدء الملء على أول السدود السودانية أو أي سدود أخرى بعده حتى السد العالي، حتى الآن. وأشارت المصادر إلى أن البيانات المتوافرة من التنسيق المعلوماتي الأخير بين السودان وإثيوبيا، كشفت عن نيّة الأخيرة الاستمرار في تشغيل مضختي المياه عبر السد حتى نهاية فترة الملء الثاني بتدفق يصل إلى 50 مليون متر مكعب من المياه يومياً لكلا الفتحتين، وهي كمية ترى مصر والسودان أنها لا تفي باحتياجات دولتي المصب ولا تكافئ متوسط تصرفات النيل الأزرق. واستبعدت المصادر أن تقدم إثيوبيا حالياً تحت ضغط الشكاوى المقدمة ضدها في مجلس الأمن على غلق فتحتي المياه من السد لزيادة معدلات التخزين مع زيادة معدلات سقوط الأمطار لتعويض ما فات من موسم الفيضان والتباطؤ الذي كان يسود الأعمال في إبريل/ نيسان ومايو/ أيار الماضيين.

وذكرت المصادر أنه بعد انتهاء الملء الثاني، ستبدأ فترة مختلفة من التشغيل والتصرف في المياه لم تخبرها دولتا المصب من قبل، إذ ستبدأ إثيوبيا في استغلال المياه المخزنة في توليد الكهرباء، وفي الوقت نفسه سيسمح الممر الأوسط للسد بعد انتهاء المرحلة الحالية من التعلية بمرور ما يفيض عن مستوى البحيرة إلى وادي النيل.

وتعليقاً على تصريحات وزير الري الإثيوبي سيليشي بيكيلي، أمس الأول، عن سير الأعمال في السد كما كان مخططاً لها، قالت المصادر إن بيكيلي يطلق هذه التصريحات للدعاية المحلية وإخفاء المشاكل التي يعاني منها السد، لأن حجم الأعمال تأثر بصورة كبيرة من التباطؤ الذي حدث بالتزامن مع أحداث العنف الأهلي في إقليم بني شنقول-قمز الذي يقام فيه السد منذ شهرين تقريباً، مقدِّرة هذا التأثير بنحو 50 في المائة من حجم الأعمال التي كان مخططاً لها هذا الصيف. وأوضحت المصادر في هذا السياق أن تعلية الممر الأوسط للسد لا يمكن أن تزيد هذا الصيف في أحسن الأحوال عن 577 متراً في ظل زيادة كميات المياه المخزنة، بدلاً من 595 متراً كانت ستمكّن إثيوبيا من تخزين 13.5 مليار متر مكعب من المياه.

ويأتي هذا التطور بعد توجيه إثيوبيا رسالتين متناقضتين لمصر والسودان، فبعد إعلان الجنرال أسرات دينيرو، القائد العسكري في منطقة متكل في إقليم بني شنقول التي أقيم فيها السد، الأحد، أن بلاده “رفعت مستوى تأهب القوات المنتشرة في المنطقة التي يقع فيها سد النهضة بهدف تأمين المرحلة الثانية من ملئه”، قال أبي أحمد، أمس، إن بلاده “ليست لديها نيّة لإيذاء الآخرين، بل تطمح بدلاً من ذلك إلى تحقيق تنمية مشتركة عن طريق التعاون مع الآخرين”. وأضاف في كلمة أمام البرلمان، أن هدف بلاده من بناء السد هو فقط تلبية حاجاتها من الكهرباء، من دون تشكيل تهديد على دول المصب.

وزير الري السوداني: المفاوضات تقتصر على الملء والتشغيل

في المقابل، كان السودان يؤكد على لسان وزير الري والموارد المائية ياسر عباس، أنه لن يدخل في أي جولات تفاوض جديدة حول سد النهضة ما لم يتم الاتفاق على تغيير منهجية التفاوض بمنح دور أكبر للمراقبين والخبراء، رافضاً مناقشة حصص المياه مع إثيوبيا خلال جولات التفاوض. وقال عباس، خلال لقائه أمس السفيرة الفرنسية في الخرطوم إيمانويل بلاتمان، إن المفاوضات وبموجب إعلان المبادئ محصورة في عملية الملء والتشغيل فقط وذلك خلال ما يقارب 10 سنوات، متهماً إثيوبيا بتغيير موقفها في شهر يوليو/ تموز 2020 وبدأت تتحدث عن حصص مياه، وهذا ما رفضه السودان بصورة واضحة، باعتبار أن المفاوضات خاصة بالملء والتشغيل، مشيراً إلى أن قضية سد النهضة أصبحت قضية سياسية أكثر من كونها فنية، وحذر من تحوّل فوائد سد النهضة إلى أضرار وكوارث تقع على السودان إذا لم يتم توقيع اتفاق قانوني، نافياً أن يكون مقترح السودان الخاص بالوساطة الرباعية بديلاً للاتحاد الأفريقي. ودعا السفيرة الفرنسية لممارسة الضغوط الخارجية على إثيوبيا حتى لا يتم الملء من جانب واحد، وكي تعود إثيوبيا إلى المفاوضات.

في السياق، توجهت زيرة الخارجية السودانية مريم الصادق المهدي، أمس، إلى نيويورك للمشاركة في جلسة مجلس الأمن، حيث ستطالب بضرورة إشراك الشركاء الدوليين في المفاوضات التي يقودها الاتحاد الأفريقي، وفق وزارة الخارجية السودانية.

وعلى الجانب التفاوضي، كشفت مصادر دبلوماسية مصرية لـ”العربي الجديد”، عن تطور في الاتصالات غير المباشرة بين القاهرة والخرطوم من جهة، وأديس أبابا من جهة أخرى، عبر وسطاء دوليين وعرب، تطرّقت إلى مسألة الجدول الزمني للمفاوضات في حال استئنافها مباشرة بعد جلسة مجلس الأمن، الخميس. وتفضّل القاهرة أن يتم التوقيع على نحو عاجل على الجزء الأول من الاتفاق، والخاص بقواعد الملء فقط، وعدم الإرجاء إلى الخريف المقبل، بينما تظهر الخرطوم مرونة أكبر بقبولها بتوقيع الاتفاق خلال 4 أشهر، مع تحديد 6 أشهر فقط لمرحلة التفاوض التالية. أما إثيوبيا فما زالت متمسكة بعدم فصل شروط الملء عن قواعد الإنشاء ذاتها وأن تكون المرحلة الأولى من الاتفاق مقتصرة على الملء العاجل في العامين الحالي والمقبل فقط.

وأضافت المصادر أن مصر تتحرك حالياً في اتجاهات عدة لضمان ثبات الموقف السوداني بجانبها خلال جلسة مجلس الأمن وما بعدها وعدم قبول الخرطوم العودة السريعة للتفاوض من دون ضمانات دولية صريحة، وكذلك لضمان إشراك أكبر عدد من الدول في مجموعة الوساطة للدفع بالمفاوضات وضمان جدية جميع الأطراف، مشيرة إلى تفضيل مصر أن يكون لتلك الدول دور أكبر من مجرد المراقبة وفق بروتوكول مكتوب. ولتحقيق هدف تثبيت موقف السودان، ترسل مصر، اليوم، إلى مطار الخرطوم 4 طائرات تحمل على متنها 18 طناً من الأدوية ومواد التخدير ومستلزمات المستشفيات.