تصنيفات

أغسطس 2, 2021

تصحّر الأراضي والنفوس

معادلة الفقر والجوع والتصحّر قاسية وصعبة الحلول (وانغ هي/ Getty)

 

هي كالثوب البالي تهترئ أطرافه ويُحدث فيه الضغط ثقوباً وفتوقاً تتزايد يومياً، وتجعل محاولات الرتق والمعالجة صعبة جداً. الأراضي القاحلة الجافة تصنّف هامشاً إيكولوجياً واقتصادياً واجتماعياً يعيش فيه السكان تحت تهديد التصحّر والنزاعات وحروب الموارد، وينضم إليهم اللاجئون البيئيون، ما يزيد الضغط على الموارد المهددة أصلاً بالنضوب. ويؤكد خبراء أنّ سكان الصحارى أفضل حالاً من اللاجئين البيئيين، لأنّهم معتادون على هذه الحياة وإدارة مواردهم فيها، وقد خبروا بيئتهم، ويستطيعون التعامل مع سلبياتها.

معادلة الفقر والجوع والتصحّر قاسية وصعبة الحلول. ففي أرجاء الكوكب تتحوّل الأراضي الجافة إلى صحارى بسبب الفقر والإدارة غير المستدامة لها، وذلك بسبب تغيّر المناخ. بالطبع يُفاقم التصحّر الفقر، ويتسبب في حدوثه. ويظهر ذلك بوضوح في جنوب الصحراء الكبرى بأفريقيا، حيث يشكل تدهور الأراضي الجافة عقبة تمنع القضاء على الفقر المدقع والجوع، وتقوِّض الجهود المبذولة لضمان الاستدامة البيئية، وتحقيق الهدفين الأولين من أهداف التنمية المستدامة، وهما “لا فقر، لا جوع”.

بدأ الحديث عن التصحّر في أربعينيات القرن العشرين، حين خلصت دراسة لصيانة التربة عام 1944 إلى أنّ تدهور التربة والتصحّر يعود أساساً إلى سوء استخدام موارد الأرض، أكثر من ارتباطه بتغير المناخ الذي يعد العامل الثاني في زيادة حدة التصحّر.  ووضع أ. ب. استبنق عام 1952 كتاباً مهماً عن زحف الصحراء في السودان ومناطق أخرى في أفريقيا، استناداً إلى دراسة نفذها عن تدهور الغطاء النباتي. 

ويذكر الخبير في الجمعية السودانية لحماية البيئة عادل محمد علي أنّ “موجات الجفاف القاسية اجتاحت السودان بين عامي 1967 و1973، وكذلك بين عامي 1984 و1985، وأعقبتها موجات جفاف أقل تسببت في انتشار المجاعة ونزوح البشر”.

من كان يصدق أن تعرف قريتنا الوادعة في شمال السودان نزاعاً يصل إلى حد المواجهة والتهديد الأمني بسبب مساحة أرض خصصت للقرية كامتداد طبيعي لمعالجة مشكلات تزايد السكان. لكنّ النازحين البيئيين الذين هجروا الوديان البعيدة بعد موجات القحط المتتالية منذ أكثر من ثلاثة عقود، وقصدوا شمال القرية، ما أطلق عليهم اسم الرُحَّل، تبدَّل حالهم وتغيّرت سبل كسب عيشهم، بعدما جفت المراعي وفقدوا القطعان، فأسسوا قرية ظلت تتنامى، حتى طمعوا في ذلك المخطط السكني المتنازع عليه.

توافرت لهذه النزاعات مسارات حلول أهلية حكيمة، قبل أن تتبدل الأمور وصولاً إلى حدّ تصحّر النفوس وجفافها، وتدهور العلاقات البشرية، وتناسي التعايش وحالات التصاهر والشراكة في تنفيذ الأعمال التجارية. والمؤسف أنّ هذا النموذج ظهر في أماكن عدة، وزادت حدته مصالح شخصية تغلبت في الغالب على المصلحة العامة، ما فجّر نزاعات في هامش إيكولوجي – اقتصادي – اجتماعي يشكل السمة العامة للحياة.

(متخصص في شؤون البيئة)