تصنيفات

أغسطس 2, 2021

فنان شقيان أول ما بدأ يرتاح مات (1/2)

“شقيان، مجهد، مكدود، مرهق”، كان هذا الانطباع الأول الذي أخذته عنه عندما التقيت به قبل 18 عاما، وكان هذا آخر ما قاله لي عن نفسه في أغسطس 2014، عندما ظن أنه أخيراً بدأ يضع قدميه على “أول الطريق”، الذي كان يظنه طريق الراحة من رزالات الدنيا والتنعم بنعيمها، لكنه كان مع الأسف طريق الراحة من الدنيا كلها، الدنيا التي لم يكتب له فيها من نعيمها وهناها ما كانت تستحقه موهبته العريضة وقلبه الكبير.

كان لقائي الأول بالفنان يوسف عيد قد جرى بالصدفة عام 1997 في كواليس تصوير فيلم (رسالة إلى الوالي)، وكنت ذاهباً لزيارة الفنان الكبير عادل إمام الذي كانت صداقتي به قد توثقت في ذلك الوقت، وحين وصلت بصحبة سائق عادل إمام ومرافقه الخاص عادل سليمان إلى “الكرفان” الخاص به، سمعت من خارجه صوتاً جميلاً يغني أغنية شعبية عرفت فيما بعد أنها للمطرب الشعبي الرائع حفني أحمد حسن. وقفت قليلا حتى لا يقطع دخولي الغناء الجميل، وحين انتهى الغناء دخلت لأجد عادل إمام ومن معه يصفقون بحرارة ليوسف عيد، وقال لي عادل إمام بحماس: “تعال هاعرفك على فنان ما حصلش” مشيرا إلى يوسف عيد، وقاطعته قائلا “ومين ما يعرفش يوسف عيد يا زعيم ده أنا من أشد المعجبين بيه”.

نظر لي يوسف عيد مندهشاً، وحين قلت له “ده أنا باعشق الغنوة اللي غنيتها في فيلم يا مهلبية يا اللي هي بتاعة يا دنيا أنا باسألك”، نظر إليّ مبتهجاً ثم زاد ابتهاجه حين بدأ عادل إمام يثني على الطريقة التي كان يرقص بها في الأغنية، قائلا “عمري ما كنت أتخيل إني أشوفك فنان استعراضي يا يوسف.. شريف عرفة ده جِنّ”، فضحك يوسف عيد وأخذ يحكي كيف أنه دفع ثمن هذه الرقصة غاليا، لأن ظهره تعرض للأذى بسبب الحركات التي قام بها خلال مرات إعادة التصوير التي تكررت لكي تخرج الأغنية على أكمل وجه، قائلاً بسخرية إن اللي حصل ده دمر مستقبله في عالم الاستعراض، وبعد أن ذهب عادل إمام لتصوير لقطة في مشهد، انتهزت الفرصة لإمطار يوسف عيد بالمحبة والإعجاب، فذكرته بأغنيته القصيرة في فيلم (سمع هس) التي يغني فيها “روحوا اعملوا عاهة وتعالوا لي هاديكو يومية تلاتة جنيه”، وشعرت بسعادته حين أدرك أنني متابع جيد له ولتطوره الفني منذ أن قدمه شريف عرفة بشكل مختلف في فيلم (الدرجة الثالثة) المظلوم، والذي لعب فيه دور مشجع مهووس بالغناء لفريقه بصحبة نخبة من أطعم الممثلين على الإطلاق مثل أحمد عقل وأحمد راتب ومحمد فريد وعبد العظيم عبد الحق وعبد السلام محمد وزايد فؤاد، وقلت له إنني لا أنسى مشهده الذي يقوم فيه برمي نفسه من على سطح مبنى لأن رئيس النادي جميل راتب أرسل له قُبلة.

حين يتم ترشيح ممثل متميز من المعروفين بأدائهم للأدوار الصغيرة لأداء دور كبير في العمل الفني، لا يرحب المنتجون أنفسهم بذلك، طالبين أن يتم اختيار اسم نجم معروف

بعد سنوات من لقائي الأول بيوسف عيد، كان شريف عرفة أيضاً بعينه الثاقبة هو الذي تولى تقديم يوسف عيد بشكل مختلف ومتميز في فيلم (الناظر)، وحرص على منحه مساحة أكبر في فيلمه التالي (ابن عز)، والذي أعتقد أن فشله وقتها جعل شريف عرفة يتوقف عن تقديم الأفلام الكوميدية ويتجه إلى أفلام الحركة والتشويق، ليظل يوسف عيد محاصراً في الأدوار الصغيرة لفترة حتى جاءته أكبر فرصة فنية حصل عليها في دور (عم هيصه) الرائع في المسلسل الممتع (الرجل العناب)، لينهي ذلك الدور فكرة سائدة في الوسط الفني مفادها أن يوسف عيد من نوعية الممثلين الذين لا يمكن أن ينجحوا إلا في الأدوار القصيرة جداً، وان وجوده في مساحات طويلة يمكن أن يكون مزعجا للمشاهد، وأجارك الله من الأفكار السائدة في الوسط الفني التي إذا التصقت بفنان لم تغادره إلا بأعجوبة حين يتاح له إثبات خطئها.

الغريب أن وصلة الاحتفاء التي قام بها عادل إمام وشاركته فيها بمحبة غامرة في تلك الليلة التسعينية الجميلة، قاطعها مدير إنتاج راحل كان رفيقا لمشوار عادل إمام السينمائي قائلاً بهزار لا يخلو من الجد: “الكلام ده هيخلي يوسف يتمرع علينا.. كويس إني اتفقت معاه على الأجر قبل القعدة دي”، ليشعر عم يوسف بالحرج ويبدأ في الحديث عن فضل عادل إمام عليه وكيف كان حريصاً على تواجده في مساحات مميزة في أفلامه، منذ أن شاهده في دور صغير في مسلسل (دموع في عيون وقحة) عام 1980، ليبدأ ظهوره معه في فيلم (عصابة حمادة وتوتو) ثم دوره المميز في (النمر والأنثى)، ليقاطع عادل حديث يوسف عنه، قائلاً لي أنني لا بد أن أسمع صوت يوسف في الموشحات الدينية، ويطلب منه غناء موشح ديني، ليغني يوسف باقتدار موشحاً للشيخ النقشبندي.

كان صوت يوسف عيد لا يزال في أوج قوته وقتها، وحين استغربت تميزه في أداء اللحن الصعب قال بفخر: “أنا متربي على إيدين فقهاء”، قائلاً إنه كان يحلم بأن يكرر أمجاد محمد عبد الوهاب الذي خرج من حي باب الشعرية الذي ولد يوسف على أطرافه وعاش عمره كله في ميدان الجيش، ثم يختم كلامه قائلا “بس حاجة واحدة بس فرقت معايا.. كان لازم أغيّر وشّي”، لينفجر الجميع بالضحك، ويطلب عادل إمام من يوسف بعدها أن يقوم بتقليد الرئيس أنور السادات الذي كان يبرع فيه بشدة، لأقضي في تلك الليلة ساعات رائعة من الضحك والغناء والبهجة بصحبة يوسف عيد وعادل إمام لم يكن يزعجني فيها سوى قدوم مساعد المخرج لمقاطعة القعدة لتصوير لقطة من لقطات مشاهد تلك الليلة، والتي كان من بينها مشهد يوسف عيد الوحيد والشهير في الفيلم، ومع أنه كان مشهداً صغيراً للغاية، إلا أن يوسف كان في غاية السعادة بأدائه، ليس فقط لمحبته الشديدة لعادل إمام ولكن لإدراكه أن التواجد في “فاترينة عادل إمام” حسب تعبيره مهم جداً لأي فنان.

عندما أتذكر وقائع تلك الليلة الجميلة، أتوقف تحديداً عند ما قاله مدير الإنتاج يومها وهو يقاطع احتفاءنا بيوسف عيد، وهو كلام لم يكن صادراً من منطلق الشر، فقد كان الرجل رحمه الله طيباً برغم حدة لسانه، ولم يكن فناناً منافساً لكي يغار من كلام طيب يقال بحق يوسف عيد، وكلما هنالك أن كلامه كان يعبر عن حقيقة مؤسفة في وسطنا الفني، هي الحرص على أن يظل ممثلو الأدوار الصغيرة أو الثانوية ثابتين في أماكنهم المحددة، ليظلوا قانعين بأدنى حدود ممكنة في أجورهم التي توضع لها نسبة ضئيلة في الميزانية، وربما لا يعرف الكثيرون أن أغلب الممثلين المتميزين والمحبوبين الذين بدأوا علاقتهم بالناس بأدوار صغيرة، كانوا ـ ولا زالوا ـ يخوضون طيلة رحلتهم الفنية صراعا للانتقال من فئة الممثل الذي يعمل باليومية، إلى فئة الممثل الذي يعمل بأجر قطعي متفق عليه قبل دخول الفيلم بغض النظر عن عدد مشاهد الممثل أو الأيام التي سيستغرقها التصوير، ولا ينتقل الممثل من فئة العامل باليومية إلى فئة صاحب الأجر المتفق عليه إلا عندما يكون قد امتلك اسماً مميزاً يمنحه قدرة الرفض التي تجعل المسئولين عن الإنتاج يوافقون على شروطه حرصا على وجوده في العمل، إما لأن المخرج أو النجم متمسكان به، أو لأنه أفضل بديل متاح، ولا يوجد ممثل متميز آخر يمكن أن يؤدي نفس دوره بأجر أقل.

والغريب أنه حين يتم ترشيح ممثل متميز من المعروفين بأدائهم للأدوار الصغيرة لأداء دور كبير في العمل الفني، لا يرحب المنتجون أنفسهم بذلك، طالبين أن يتم اختيار اسم نجم معروف بالفعل للدور، لكي يتم “تكبير الأفيش” على حد تعبيرهم، مستندين على منطق أن الممثل الذي تعود على الدور الصغير سيوافق على أي دور يقدم له، فلماذا لا يتم الاستفادة من أسماء نجوم معروفين في الأدوار الكبيرة، وتكون نتيجة ذلك أن يبقى الممثل المتميز الذي تم وضعه في خانة الممثل الثانوي محصوراً في هذه الخانة إلى أجل لا يعلمه إلا الله، ولا يتسع المقام هنا لذكر أمثلة للمرات التي قمت فيها خلال الإعداد لأعمالي السينمائية والتلفزيونية بمحاولة إسناد أدوار كبيرة ـ أو “تسكين أدوار” بلغة السينما ـ إلى ممثلين متميزين أحبهم ـ كان دائماً من بينهم يوسف عيد ـ  ليكون الرد الذي أتلقاه غالباً: “بلاش.. أصل الدور كبير عليه خلينا نجيبه في المشهدين دول هيعملهم حلو، ما تخليهوش يشيل أكبر من شيلته”.

والغريب أنني عندما كنت أعترض على ذلك، قائلا إن إمكانيات هذا الممثل أكبر من حجم الدور وأنه بالتأكيد سيرفض الدور الصغير وسيعتبر أننا نهينه به، أجد من يلومني لأنني أقوم بقطع رزق هذا الممثل، قائلاً لي كلاماً من نوعية: “ياعم سيبه يسترزق.. وبعدين إنت هتبقى أحرص عليه من نفسه.. هتشوف إزاي هييجي يمثل ويشكرنا إننا افتكرناه كمان”، وللأسف كنت غالباً أفاجأ بأن الممثل الذي توقعت أن يعتذر عن الدور الصغير يأتي لتمثيله فورا، وعندما اقول له حين يجمعنا لقاء خلال التصوير أنني سعيد لأنني أعمل معه، وأعتذر له عن صغر الدور وأنني لم أكن موافقاً على أن يعرض عليه دور صغير، أفاجأ به في الغالب الأعم يقول لي كلاماً من نوعية “ليه بس كده.. يا عم الحمد لله إن حد فاكرني أصلا.. بس برضه يا ريت تفتكرني في دور أكبر شوية بعد كده، بس لو ما قدرتش يبقى أي دور وخلاص، أحسن من قلة الشغل وقعدة البيت”.

نكمل غداً بإذن الله