سبتمبر 22, 2021

هكذا تؤثر ظاهرة التعدد الدوائي على صحة كبار السن

في بعض الأحيان، من الضروري وصف العديد من الأدوية في وقت واحد (Getty)

دفع انتشار الكثير من الأوبئة والأمراض حول العالم كبار السن إلى تناول أكثر من دواء في آن معاً، إلا أنّ هذه الظاهرة لها آثار جانبية شديدة قد تؤدي في بعض الأحيان إلى توقف الكثير من الأعضاء عن العمل وربما تسبب الوفاة، بحسب تقرير نُشر على شبكة “بي بي سي” البريطانية.

ويؤدي تناول أو خلط الكثير من الأدوية بالنسبة لكبار السن، حيث تكون أجسامهم عادة قليلة الكفاءة في ما يخص التمثيل الغذائي، إلى زيادة فرص الوفاة، كما أن التفاعلات بين بعض الأدوية يمكن أن تكون ضارة وتؤدي إلى تسمم الأعضاء، بحسب التقرير، فكبار السن عادة ما يتناولون أكثر من 5 عقاقير يومياً، كما أنّ ما يصل إلى نصف المرضى الذين يتناولون أربعة عقاقير أو أكثر تسبب لهم هذه الأدوية غالباً أمراضاً أخرى، وفقاً لتحليل صادر عام 2020 في المراجعة السنوية لعلم الأدوية والسموم.

التعدد الدوائي

تعتبر منظمة الصحة العالمية أنّ التعدد الدوائي مشكلة صحية عامة رئيسية تحدث على مستوى العالم بسبب ردود الفعل السلبية للأدوية.

وتروي معدة التقرير هيلين سانتورو قصة سيدة طاعنة في السن باتت أسيرة الأدوية لسنوات، حيث تم تشخيص إصابة السيدة بالباركنسون، في العام 2010، ووصف لها الأطباء الكثير من الأدوية، بعدها بسنوات، عانت من أمراض عديدة، كالاكتئاب والحموضة في المعدة والضغط وغيرها، فما كان من الأطباء إلا وصف المزيد من الأدوية لها.

بالنسبة للسيدة، التي تبلغ من العمر الآن 82 عاماً، فإنّ تناول جميع عقاقيرها هدف صعب، وتقول “لا أريد تناول أدوية من هذا القبيل، أعتقد أنها كثيرة جداً، لا يمكنني مغادرة المنزل لأن لدي كل هذه الأدوية لأتناولها”، ولذلك قررت السيدة ترك الكثير من هذه الأدوية، حتى “تتمكن من العيش بسلام”، بحسب تعبيرها.

على الرغم من أنّه قرار صائب، لكن القيام بذلك صعب جداً، لأسباب ليس أقلها أن وصف الأدوية للمريض أو إيقافها يحتاج إلى الكثير من الآراء الطبية، بحسب ما يقول توبياس دريشولت، الصيدلاني السريري في جامعة Ludwig Maximilian في ألمانيا، وهو أحد مؤلفي دراسة عن تناول الأدوية.

وأجرى دريشولت بحثاً سابقاً في جامعة دندي في اسكتلندا، وهو جزء من فريق نشر سلسلة من الإرشادات لمساعدة الأطباء والصيادلة في البلاد على تقليل استخدام الأدوية غير الضرورية أو التي يحتمل أن تكون خطرة، وتوصل حينها إلى ضرورة مراعاة الكثير من العوامل، ولعل أهمها السن عند تشخيص الأمراض ووصف الأدوية.

ويتزايد عدد البالغين الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً في جميع أنحاء العالم، وفي المملكة المتحدة، على سبيل المثال، من المتوقع أن يزداد عدد الأفراد الأكبر سناً بنسبة 67%، أي 8.2 ملايين شخص إضافي، حتى العام 2068، أما في الولايات المتحدة فمن المتوقع أن يرتفع عدد كبار السن بنحو 81%، أو 42.3 مليون شخص إضافي حتى العام 2060.

هذه الإحصاءات تشير إلى أنّ الاستمرار في الإفراط بوصف الأدوية قد يؤدي إلى حصول أزمة صحية كبيرة في السنوات القادمة، وهو ما دفع الخبراء في الكثير من الدول إلى التحذير باكراً من خطورة وصف عدة أدوية بآن واحد. 

ولكن في الوقت نفسه يقول بعض الخبراء “في بعض الأحيان، من الضروري وصف العديد من الأدوية في وقت واحد. على سبيل المثال لمنع مريض أصيب بنوبة قلبية من الإصابة بنوبة قلبية أخرى، لا بد من وصف أدوية الكوليسترول والضغط معاً، لجعل خلايا الدم غير ملتصقة بعضها ببعض”.

ويتم يومياً إدخال 750 من كبار السن إلى المستشفيات بسبب الآثار الجانبية الخطيرة للأدوية، بما في ذلك السقوط وردود الفعل التحسسية والنزيف الداخلي، ومع كل دواء إضافي موصوف، يزداد خطر حدوث رد فعل سلبي بنسبة بين 7% و10%.

لماذا الأدوية الكثيرة؟

إن كان الخبراء يحذرون من تناول الكثير من الأدوية، فلماذا يصف الأطباء إذاً هذه الكميات الكبيرة من العقاقير؟

تشرح جريس لو ياو، أخصائية وبائيات السرطان في جامعة توماس جيفرسون في فيلادلفيا، الأسباب التي تجعل الأطباء يصفون كميات كبيرة من الأدوية قائلة إنّ “العامل الأول ربما يكون مرتبطاً بمنطق الربح، فالكثير من الأطباء يتلقون دعماً مادياً مقابل دواء معين، ليتم وصفه باستمرار”.

وبحسب تحقيق أجرته غرفة الأخبار ProPublica في العام 2015، يتلقى حوالي نصف الأطباء في الولايات المتحدة مدفوعات من شركات الأدوية، بلغ مجموعها 2.4 مليار دولار.

والعامل الآخر، بحسب لو ياو، يتعلق بغياب الاتصال بين أطباء المريض، وهو ما يؤدي إلى وصف الأدوية.

وتقول لو ياو “إن النظام بأكمله تم إنشاؤه بشكل غير صحيح”. وكانت لو ياو قد قامت هي وزملاؤها بدراسة معدلات دخول المستشفى لمرضى سرطان البروستاتا والرئة والثدي بعد العلاج الكيميائي، مقارنة بالمرضى الذين يتناولون أقل من خمسة أدوية، وتبين أنّ مرضى سرطان البروستاتا يتناولون ما بين خمسة وتسعة أدوية، فيما وجدت أنّ من يتناول أكثر من 15 دواءً لديه معدلات دخول المستشفى بعد العلاج الكيميائي بنسبة تتخطى 114%.

إذا استمرت هذه الاتجاهات، فمن المقدر أن يؤدي تعدد الأدوية إلى ما يقرب من 150.000 حالة وفاة مبكرة في الولايات المتحدة على مدار العقد المقبل، وفقاً لتقرير صادر عن معهد Lown Institute. وتوقع التقرير أن يكون تعدد الأدوية مسؤولاً أيضاً عن 4.6 ملايين حالة دخول إلى المستشفيات في الولايات المتحدة على الأقل بين عامي 2020 و2030، بكلفة تبلغ حوالي 62 مليار دولار.

إجراءات عملية

في اسكتلندا، تم تصميم إرشادات تعدد الأدوية من قبل خبراء الأدوية والرعاية الصحية، والتي نُشرت لأول مرة في عام 2012، لسد هذه الفجوة في الموارد ومساعدة الأطباء خلال عملية إعداد الوصفات الطبية.

وتشجع هذه القائمة من الإرشادات جهود الأطباء على مراجعة تشخيصات المريض وعلاجاته بعناية وتحديد الأدوية التي يحتاجها الفرد، وتحديد التفاعلات الدوائية الضارة المحتملة والتأكد من مشاركة المريض في عملية اتخاذ القرار.

وأفاد تقييم للإرشادات بأنه في الفترة من 2012 إلى 2018، كان هناك انخفاض ملحوظ في عدد تركيبات الأدوية عالية الخطورة الموصوفة لكبار السن، وفقاً للبيانات التي تم جمعها من قبل نظام الرعاية الصحية في اسكتلندا.