سبتمبر 22, 2021

“فاغنر”… أداة روسية لملء الفراغ العسكري الفرنسي في مالي

أنصار الانقلاب يرفعون أعلاماً روسية في باماكو (ميشيل كاتاني/فرانس برس)

تشهد مالي تطورات عدة في السنوات الأخيرة، مع تشابك المصالح الداخلية والخارجية وارتباط أمن البلاد بالجوار الإقليمي وصولاً إلى أوروبا. وعلى وقع الانقلابات المتتالية، وآخرها في 24 مايو/أيار الماضي، كانت فرنسا تُعلن في 9 يوليو/تموز الماضي، خريطة طريق تتمثل في إغلاق القواعد العسكرية الفرنسية في كيدال وتومبوكتو وتيسالي في شمال مالي، وتقليص عدد القوات الفرنسية من 5100 عنصر إلى نحو 2500 أو 3 آلاف عنصر، وأن يتم ذلك خلال الفترة بين النصف الثاني من العام الحالي وبين مطلع العام المقبل، وفقاً لإعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال القمة الافتراضية مع زعماء دول الساحل (النيجر، بوركينا فاسو، مالي، تشاد، موريتانيا). وأثارت مسألة إعادة الانتشار الفرنسية قلق الماليين، وتوجّسهم من احتمال تمدد “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”، بقيادة إياد آغ غالي، في البلاد وصولاً إلى العاصمة باماكو. ويستند غالي إلى نموذج حركة طالبان في أفغانستان، بعد أن كان أول مهنئيها بالسيطرة على البلاد، متوعّدا بمصير مماثل في مالي.

تنتشر مجموعة “فاغنر” في 10 دول أفريقية مقابل استغلال المعادن والثروات

إزاء هذه التطورات، كشفت سبعة مصادر دبلوماسية وأمنية، أول من أمس الإثنين، عن اتفاق وشيك سيسمح لمرتزقة “فاغنر” الروسية بدخول مالي، في خطوة تعزّز الانتشار العسكري الروسي غير الرسمي في الغرب الأفريقي. وذكرت المصادر أن باريس بدأت مسعى دبلوماسياً لمنع المجلس العسكري في مالي من تفعيل الاتفاق الذي سيسمح لمجموعة “فاغنر” بالعمل في مالي. وقال مصدر أوروبي يتابع شؤون غرب أفريقيا ومصدر أمني في المنطقة، إن ألفاً على الأقل من المرتزقة قد يشاركون في الأمر، رغم أن مصدرين آخرين توقعا أن يكون العدد أقل من ذلك، من دون تحديد الرقم.

وأفادت أربعة مصادر بأن مجموعة “فاغنر” ستحصل على حوالي ستة مليارات فرنك أفريقي (10.8 ملايين دولار) شهرياً مقابل خدماتها. وأشار مصدر أمني يعمل في المنطقة إلى أن المرتزقة سيقومون بتدريب جيش مالي وتوفير الحماية لمسؤولين كبار. ولم يتسن لوكالة “رويترز” التأكد من عدد المرتزقة الذين قد يشاركون، ولا مقابل عملهم، ولا تحديد الهدف الأساسي للمجلس العسكري الحاكم في مالي من أي اتفاق يسمح بوجودهم. من جهته، قال متحدث باسم زعيم المجلس العسكري الحاكم في مالي، إنه ليس لديه معلومات عن مثل هذا الاتفاق. وأضاف من دون إسهاب “إنها شائعات. المسؤولون لا يعلقون على الشائعات”. لكن متحدثا باسم وزارة الدفاع في مالي، كشف أن “الرأي العام في مالي يؤيد المزيد من التعاون مع روسيا بالنظر للوضع الأمني الحالي، غير أنه لم يتمّ اتخاذ قرار بعد”، بشأن طبيعة هذا التعاون.

وسيوسع هذا الأمر في حال حصوله نطاق النفوذ الروسي في الشؤون الأمنية لمنطقة غرب أفريقيا، خصوصاً أن عنصرين أساسيين تورّطا في انقلاب 18 أغسطس/آب 2020، كانا من المقرّبين من روسيا، وهما مالك دياو وساديو كامارا، اللذان أمضيا عاماً كاملاً في معهد القيادة العسكرية العليا في موسكو. كما تدرّب جنود ماليون في روسيا قبل أشهر قليلة من انقلاب أغسطس. وحول النفوذ الروسي، نشرت صحيفة “أتالايار” الإسبانية، في مايو الماضي، تقريراً صادراً عن وزارة الخارجية الألمانية جاء فيه أن روسيا أبرمت منذ عام 2015 اتفاقيات تعاون عسكري مع 21 دولة أفريقية، في حين أن هذا التعاون كان في السابق سارياً مع أربع دول فقط. كما أشار تقرير ألماني آخر إلى حصول روسيا على تصاريح لإنشاء قواعد عسكرية في ست دول أفريقية، من بينها مصر والسودان. ونقلت الصحيفة في حينه عن الجنرال المالي إبراهيما ضاهرو دمبيلي قوله إن “الوجود العسكري الروسي في مالي بات وشيكاً، حتى تدعم قوات الأمن والدفاع في حربها ضد الإرهاب الذي ابتليت به البلاد ومنطقة الساحل المضطربة”. وأضاف “ستكون روسيا قريباً حاضرة على الخطوط الأمامية”. مع العلم أنه بعد انقلاب مايو الماضي، أحيا أنصار المجلس العسكري احتفالاً في العاصمة، أحرقوا خلاله أعلاماً فرنسية، ورفعوا في المقابل أعلاماً روسية.

ولا يُشكّل تمدد “فاغنر” إلى مالي حدثاً جديداً في الغرب الأفريقي، فقد كشف تقرير لوكالة “بلومبيرغ” الأميركية في مايو الماضي، أن المجموعة تتمركز في دولتين مجاورتين لمالي وقريبتين من العاصمة باماكو، وهما غينيا وغينيا بيساو. وذكرت الوكالة أيضاً أن عناصر “فاغنر” منتشرون في السودان، جمهورية أفريقيا الوسطى، ليبيا، زيمبابوي، أنغولا، مدغشقر، موزمبيق، وربما في جمهورية الكونغو الديمقراطية. وأفادت بأن هدف الانتشار هو “تدريب الجيوش المحلية وحماية كبار الشخصيات أو مكافحة الجماعات المتمردة أو الإرهابية، وحراسة مناجم الذهب والماس واليورانيوم في المناطق الساخنة”. ونوّهت إلى أنه “في المقابل، تحصل الشركات التابعة لفاغنر على امتيازات وتراخيص لاستغلال هذه المعادن والثروات، وتوريد أسلحة وتقنيات وخدمات عسكرية”.

وأثارت التحركات الروسية معارضة فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة بالمنطقة. وفي السياق، اعتبرت وزيرة الجيوش الفرنسية فلورانس بارلي، أمس، أن أي اتفاق بين المجلس العسكري الحاكم في مالي ومجموعة “فاغنر” سيثير “قلقاً بالغاً” وسيكون “مناقضاً” للانخراط العسكري لفرنسا في منطقة الساحل. وأضافت خلال جلسة استجواب أمام لجنة برلمانية “سيكون الأمر مناقضاً لكل ما قمنا به على مدى سنوات وكل ما نسعى إلى القيام به دعماً لبلدان منطقة الساحل”.

ونوّهت مصادر دبلوماسية إلى أن المساعي الفرنسية تتضمن طلب مساعدة شركاء مثل الولايات المتحدة في إقناع المجلس العسكري في مالي، بعدم المضي قدماً في هذا الاتفاق، فضلاً عن إرسال دبلوماسيين كبار إلى موسكو وباماكو لإجراء محادثات. وأضافت أن فرنسا قلقة من أن يقوّض وصول مرتزقة روس عمليتها المستمرة منذ عشر سنوات لمكافحة الإرهاب والتصدي لمقاتلين، لهم صلة بتنظيمي “القاعدة” و”داعش” في منطقة الساحل بغرب أفريقيا، في وقت تسعى فيه لتقليص عملية “برخان” التي يشارك فيها خمسة آلاف جندي بهدف إعادة تشكيل القوة حتى تضم المزيد من الشركاء الأوروبيين.

تخشى فرنسا تراجع دورها في الساحل الأفريقي

ويراهن ماكرون على عملية “تاكوبا” الأوروبية، لملء الفراغ في الساحل، والتي تضم قوات خاصة أوروبية، بالإضافة إلى نحو ألفي عنصر من قوات النخبة الفرنسية “سابر”، ومن الممكن أن ينضم إليهم 1100 جندي أميركي منتشرين في المنطقة. لكن قوة “تاكوبا” لا تبلي بلاءً حسناً في أرض المعركة، ويقتصر دورها الرئيسي على تدريب القوات المحلية لدول الساحل، وكذلك بالنسبة للقوات الأميركية التي تكتفي بالتدريب وتقديم الدعم اللوجستي سواء بالنسبة للنقل أو المعلومات الاستخباراتية. وتبدو الدول الأوروبية، وعلى رأسها بريطانيا، غير متحمسة لرمي ثقلها العسكري في منطقة الساحل التي ينظر إليها كمنطقة نفوذ فرنسية، أما الأميركيون فيريدون إنهاء حربهم على الإرهاب التي استمرت لعشرين سنة في أقرب فرصة وليس التورط في مستنقع أمني جديد.

وحاولت فرنسا الاستعانة بدول إقليمية للمساعدة في ضبط الوضع الأمني، خصوصاً الجزائر، التي رعت اتفاقاً للسلام بين مجموعات الطوارق في شمال مالي وباماكو في عام 2015، لكن السلطات المالية لم تلتزم به، وهو ما يهدد بانهياره. وفي ظلّ ترقّب الجزائر للتطورات على حدودها الجنوبية، أدرجت بنداً في الدستور الجديد في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، ينصّ على نشر الجيش في الخارج. وهو إجراء مرتبط عملياً بمالي. ويوحي السلوك الجزائري باحتمال إيلاء المزيد من الاهتمام إلى الشمال المالي، بما فيه تفعيل العلاقة مجدداً بين الطوارق والسلطات، لتوحيد الجبهة ضد المتشددين. 
(العربي الجديد، رويترز)