أكتوبر 8, 2021

البحث عن الآخرين

في الصورة شبه الوحيدة التي تُعرض في الصحافة، أو في وسائل التواصل الاجتماعي، للممثّل الأميركي أنطوني كوين، وهو يرقص على لحن الموسيقار اليوناني ميكيس تيودوراكيس الرقصةَ المعروفة التي أُطلق عليها اسم الشخصية الرئيسية في الفيلم المأخوذ عن رواية اليوناني نيكوس كازانتزاكيس “زوربا”، في تلك الصورة نشاهد ممثّلاً آخر يشارك أنطوني كوين في الرقص، ولكنّنا لن نقرأ اسمه أبداً، وقلّما يهتمّ القرّاء لشخصه، أو يسألون مَن هو.

والطريف أنه هو، كشخصية فنّية، لا زوربا، مَن يروي القصّة أو الحكاية، ولكنّه يختفي من كيان الرواية أيضاً، ويتحوّل إلى مجرد كومبارس تكمن قيمته الوحيدة في قدرته على رواية حكاية زوربا وحده، علماً أنه يظهر في الصورة جميلاً وأنيقاً مرتدياً بدلته البيضاء.

والظاهر أن البشر كلّهم قلّما يهتمّون بالثاني، بينما يتصدّر الأوّل المجال كلّه، وهو أمرٌ يمكن سحبه من السينما إلى الرواية مثلاً. ففي ثلاثية نجيب محفوظ عشرات الشخصيات، وربما المئات أيضاً، من النساء والرجال، ولكنّ أحمد عبد الجواد، وابنه كمال عبد الجواد، يستأثران بالكلام كلّه، النقدي وغير النقدي، حين يأتي ذكر الثلاثية. كما يُهيمن مصطفى سعيد على رواية الطيّب صالح، “موسم الهجرة إلى الشمال”، ولا تُذكر هذه الرواية إلّا مقرونة باسمه وحده من بين الشخصيات الأخرى التي تبدو شاحبة وهُلامية وعاجزة عن الفعل، وموضوعة تحت رحمة شخصيّته الطاغية المسيطرة.

الأخطر أن يكون تهميش الجموع تعبيراً فنياً عن فكر المؤلّف

ومن الصعب أن نعرف مَن هم الذين قُتلوا في غابات بوليفيا برفقة غيفارا، كأن غيفارا هو الوحيد الذي قُتل، أو أنّ أولئك الذين رافقوه ــ وهو لم يكن ليستمدّ شهرته و”عَظمته” لولا أنهم ارتضوا أن يشاركوه الثورة والمصير الفاجع ــ ليسوا أكثر من “كَمالة العدد”، كما تسمّيهم لغتنا الشعبية. فلا أحد يذكر أسماءهم، أو صورهم، ولا أحد يهتمّ في الحقيقة بمعرفة أسمائهم، والسؤال عن مصيرهم، وخاصّة من بين هؤلاء الذين يؤيّدون ثورة غيفارا، إذ من الراجح أن الشرطة البوليفية قد وثّقت أسماءهم جميعاً بعد قتلهم.

ويمتلئ الأدب “الشعبي” بأسماء الأبطال الأفراد، فليس في بني هلال، وهم آلافٌ من المقاتلين، غير أبي زيد الهلالي، فالسيرة ليست سيرتهم، على الرغم من أنها أخذت اسمهم عنوانا لها، بل هي سيرته وحده. ولدينا عنترة وذات الهمّة وروبن هود، وربما كان حضوره في الحكاية يزيد عن كونه سنداً للفقراء والمظلومين، ليكون البديل الفرد لصورة الملك ذي السلطات المطلقة. ويبدو أحياناً أن الأدب عامة قد انتزع البطولة من الملوك والعظماء، كي يمنحها لأفراد آخرين مهيمنين يُلغون دور الجموع، بعد أن يتحوّلوا إلى أفراد وحيدين “عظماء”. والأخطر أن يكون هذا تعبيراً فنياً عن فكر الروائي أو المؤلّف الشعبي المؤمن بقوّة الفرد وقدراته الفائقة في تمثيل الجماعة.

المؤكّد أن هذا كله لم يقلّل في أيّ يوم من حماسة الجموع للمشاركة في الثورات، على الرغم من أنها تُهَمَّش في التاريخ، وفي الأدب أيضاً، والمؤكّد أن سعيها إلى الحرية هو الذي يدفعها للمشاركة، بصرف النظر عن وجودها التاريخي في الحكاية، ودون الاهتمام بالظهور في الصفحة الأولى.

* روائي من سورية