أكتوبر 8, 2021

نزوح عكسي… سكان كابول ينتقلون إلى الأقاليم

 

في الأزمات الكبرى، يُلاحظ في الغالب نزوح إلى المناطق التي توفّر أماناً ما للمواطنين. وفي أفغانستان، بعدما وضعت حركة طالبان يدها على البلاد، راح أفغان من سكان العاصمة كابول يهجرونها لأسباب عدّة.

بعد سيطرة حركة طالبان على كابول منتصف شهر أغسطس/ آب الماضي، شهدت العاصمة الأفغانية تحوّلات كثيرة. من تلك التحوّلات خروج أفغان كثيرين من العاصمة وتوجّههم إلى الأقاليم والأرياف، حيث مواطنهم الأصلية، في حين أنّ الأمر في السابق كان بخلاف ذلك، إذ كانوا يتركون الأقاليم والأرياف ويقصدون العاصمة، لأنّ الأمن والاستقرار كان منعدماً في تلك المناطق، في حين أنّ ظروف العيش كانت جيدة في كابول. أمّا اليوم، فقد بات العيش في الأقاليم والأرياف لجهة الأمن ممكناً، فيما البقاء في كابول لجهة المال صار صعباً.

محمد ضمير واحد من هؤلاء، وقد نقل أسرته من العاصمة كابول إلى مديرية سرخ بولاية لوجر المجاورة. هو ترك المنزل الذي كان بدل إيجاره عشرة آلاف أفغانية (نحو 110 دولارات أميركية)، الأمر الذي يعني أنّ نصف راتبه الشهري كان يذهب لإيجار المنزل، لكنّه كان قد آثر البقاء في كابول طيلة هذه الأعوام بسبب انعدام الأمن في لوجر، ولأنّ أخاه الأصغر ويُدعى وزير محمد كان يعمل كذلك في شركة تجارية في كابول، بالتالي كانا يسيّران أمور الحياة معاً في حين يثقلهما بدل الإيجار.

أمّا اليوم، وقد استتبّ الأمن في الأقاليم وفي العاصمة على حدّ سواء ومع توقّف الرواتب، لم يعد من خيار أمامهما سوى ترك العاصمة والتوجّه إلى مسقط رأسَيهما في مديرية سرخ. ويقول محمد ضمير لـ”العربي الجديد”: “عشنا أكثر من ستة أعوام في كابول، في منزل لا بأس به، وكان نصف راتبي يُصرَف على بدل الإيجار. واليوم، بعدما توقّفت الرواتب والأعمال كلها في كابول، وبما أنّ الوضع الأمني بات مستقراً في قريتنا، رأينا أنّه من الأفضل الانتقال إلى منزلنا الأساسي، لا سيّما أنّنا لا نعرف متى تعود الحياة إلى طبيعتها في العاصمة”.

لم يعد العيش في كابول ممكناً لهما ولعائلتهما (الأناضول)

من جهته، كان شبير أحمد يعيش في شقة سكنية في منطقة شهرارا في العاصمة كابول، وكان يدفع شهرياً 200 دولار أميركي بدلَ إيجار منزل يتألّف من غرفتَين وحمّام ومطبخ. هو كان مديراً في شرطة المرور، وعلى الرغم من أنّه عاد إلى وظيفته في الأيام الأولى من سيطرة حركة طالبان على كابول، فإنّه لا يعرف ما هو مستقبل الرواتب، وهل ستتمكن الحركة من صرفها، لا سيّما أنّ ثمّة تكهّنات مختلفة بشأن الاعتراف الدولي بحكومة طالبان. بالتالي، قرّر شبير ترك المنزل في كابول والتوجّه إلى منطقة سرخ رود في إقليم ننجرهار شرقي أفغانستان، حيث له منزل كبير وأراض زراعية وقوم وعشيرة، ومن شأن ذلك أن يخفف عليه أعباء الحياة إلى حدّ كبير في ظل جمود الوضع الاقتصادي والمعيشي في البلاد.

ويقول شبير لـ”العربي الجديد” إنّ “الحياة كانت مريحة في كابول بلا شك، لا سيّما لجهة تعليم الأطفال، لكنّ المشكلة الأساسية هي في أنّنا لا نعرف مصير رواتبنا، بالتالي لا نستطيع تعليق آمالنا على مستقبل مجهول، وعلينا ترتيب حياتنا بحسب الأحوال الراهنة”. يضيف شبير أنّ “بدل إيجار المنزل كان كبيراً علينا، حتى حين كانت الأوضاع مستقرة وتُدفع الرواتب. واليوم، بعد كلّ ما حصل في كابول، بات من الصعب جداً سداد بدل الإيجار، بالإضافة إلى أنّ أسعار الاحتياجات الأولية شهدت قفزة كبيرة. بالتالي، بات العيش صعباً”.

وبحسب ما يلاحظ مراقبون كثر، فقد غادرت مئات الأسر مدينة كابول بعد سيطرة حركة طالبان عليها. ويقول دين محمد، وهو صاحب مكتب عقارات في سوق شهر بالعاصمة، لـ”العربي الجديد”، إنّ “موجة خروج المواطنين من كابول وتوجّههم إلى الأقاليم والأرياف آخذة في التزايد”، مشيراً إلى أنّه “قبل وصول طالبان إلى السلطة، شهدنا موجة نزوح إلى العاصمة، الأمر الذي أدّى إلى ارتفاع أسعار المنازل بشكل مفاجئ. وقد استفاد من تلك الفرصة أصحاب المنازل والشقق. لكن بعد سيطرة طالبان على الحكم، راح الناس يتركون العاصمة. وقد عمد أشخاص كثر ممّن يعيشون في كابول منذ فترة، والذين يملكون منازل في الأقاليم والأرياف، يغادرون المدينة. وهكذا صار أصحاب المنازل والشقق يقصدون مكاتب العقارات ويسجّلونها بأسعار مخفّضة، من دون أن يتوفّر مستأجرون جدد لتلك المنازل والشقق”.

ينقلون متاعهم ويغادرون العاصمة (هارون صباوون/ الأناضول)

ويخبر دين محمد أنّ “ثمّة منزلاً بالقرب من مكتبي تركته الأسرة التي كانت تشغله لتتوجّه إلى ولاية لغمان شرقي البلاد. كان بدل الإيجار 300 دولار أميركي، فطلبت من صاحبه خفضه حتى تتمكّن من البقاء فترة إضافية في كابول في انتظار تحسّن الأوضاع، إذ إنّ الرواتب توقّفت، وبالتالي لم يعد في إمكانها دفع هذا البدل. لكنّ صاحب المنزل رفض ذلك، فاضطرت إلى اتّخاذ قرار الرحيل. وبعد أيام، عندما أدرك صاحب المنزل الوضع، قصدني لعرض منزله للإيجار حتى لو كان ذلك لقاء بدل أقلّ. لكنّ لا مستأجرين اليوم”.

في سياق متصل، طلب عدد كبير من مستأجري المنازل في العاصمة كابول وكذلك في إقليم هرات غربي البلاد، من حركة طالبان وضع آلية لبدلات إيجار المنازل وإرغام أصحابها على خفضها، خصوصاً أنّ أوضاع المواطن الأفغاني في تدهور بعد الأزمة المعيشية التي تشهدها البلاد.

وعن أسباب مغادرة سكان كابول منازلهم وتوجّههم صوب الأقاليم، يقول محمد عمران، وهو موظف سابق في بلدية كابول، لـ”العربي الجديد”، إنّ “أبرزها هو توقّف الرواتب. فالحياة مهما تكون جيّدة في الأقاليم والأرياف لا تصل إلى مستوى الرفاهية في العاصمة، لكنّ توقف الرواتب اضطرّ بعض السكان إلى تركها”. يضيف عمران أنّه “إلى جانب التوقّف عن دفع رواتب الموظفين الحكوميين، أغلق عدد كبير من المؤسسات الأجنبية أبوابه في وجه العاملين الأفغان فيه. كذلك، تأتي حالة ركود في التجارة والاقتصاد في السوق الأفغاني عموماً، ما جعل كثيرين من سكان كابول يتركون منازلهم المستأجرة ويتوجهون صوب الأقاليم والأرياف، لا سيّما أنّ الوضع الأمني صار مستقرّاً نسبياً في كلّ أرجاء البلاد”.