نوفمبر 28, 2021

عن “معجم ألف ليلة وليلة”

صدر عن دار “خطوط وظلال” في عمّان، أخيراً، معجم حكائي بعنوان “معجم ألف ليلة وليلة” للأكاديمي المغربي، محمود عبد الغني، الذي تمتاز كتاباته بالتنوع، فهو بالأساس شاعر، أصدر عن دار “توبقال” في الدار البيضاء ثلاثة دواوين، قبل أن يُصدر أربع روايات، منها “معجم طنجة”. وفازت إحداها (الهدية الأخيرة) بجائزة المغرب للكتاب في العام 2013. وكتب عبد الغني في الرحلة، فقد نشر، عن زيارته الصين، يومياتٍ حملت عنوان “الأبدية في بكين” (دار نثر، مسقط، 2020)، الجديد فيها أنها جاءت من داخل الحرم الجامعي الصيني، وتحديدا جامعة بكين، وهو فضاءٌ يصعب وصفه للسائح العام، ولكن بحكم أنّ عبد الغني كان أستاذاً زائراً في الجامعة الصينية، استطعنا أن نرى، بعينيه، أجواء تلك الجامعة ومحيطها، عكسته عناوين ملفتة من قبيل “الدولة في كل مكان”، وهو يتحدّث عن النظام الصارم الذي يميز الحياة الصينية، مع ميل واضح إلى الابتكار وتنظيم الحياة في صالح الجمع، وليس الفرد. نجد في الكتاب أيضاً لقاء جمعه مع الأستاذ في جامعة بكين والباحث في التاريخ والأنثربولوجيا السوري، فراس السواح، وزوجته. 
“معجم ألف ليلة وليلة” أنطولوجي، يدلل على ثراء الكتاب العربي الخالد. لذلك يمكن لكل قارئ عميق لهذا الكتاب، كما لكلّ باحث، أن يضيفا إلى هذا المعجم المفتوح، الشبيه باسمه ألف ليلة وليلة، إذ قال بورخيس مرّة إنّ إضافة ليلة بعد الألف توحي باللانهائي، وهذا يمكن أن ينطبق أيضاً على معجمٍ يكون أساسه كتاب الليالي، فأيّ قارئ يمكن أن يضيف جزءاً أو فقرة انطلاقاً من قراءاته الخاصة، كما فعل محمود عبد الغني في ابتكاره الطريف هذا، حيث شكّل معجمَه على تسلسل الحروف الهجائية من الألف إلى الياء. لذلك، سيعيش القارئ مع هذا الكتاب رحلة ممتعة، أساسها الإمتاع الحاصل في كتاب “ألف ليلة وليلة”. كما سيكتشف من خلال هذا المعجم أموراً في غاية الأهمية، منها عدد الباحثين الغربيين الذين درسوا كتاب الليالي الهائل، ومدى الإضافة التي أحدثها هذا الكتاب في الغرب، بعد أن ترجمه، في بداية القرن الثامن عشر، الفرنسي أنطوان غالان. منذ ذلك الحين، وهذا الكتاب يفعل مفاعليه، سواء على مستوى البحث الذي أنتج باحثين غربيين مختصّين في حقل الليالي، أو على مستوى الإبداع، فثمّة قائمة طويلة، يصعب حصرها، ممن تأثّروا مباشرة بهذا الكتاب، إلى درجة يمكن فيها القول إنّ ثمّة رواية، أو مناخاً روائياً طاغياً، في أوروبا ما قبل ترجمة “ألف ليلة وليلة”، ورواية أوروبية مختلفة ما بعد هذه الترجمة.
أخرج معجم محمود عبد الغني مجموعة من التعريفات البنيوية، مثل حديث المعجمي، المغربي أيضا، عبد الغني أبو العزم عن المرجعيات القرآنية والإسلامية في هذا الكتاب، والتي كانت من الوفرة بحيث يبعد عنه ذلك التصنيف الذي يقول عنه إنّه أدب رخيص، لأنّه كتابٌ يضمر مجموعة من القيم الأخلاقية المهمة، وإنْ قدّمت في إهابٍ غير أخلاقي، من حيث الأمثلة والتفاصيل الاجتماعية، إلّا أنّ ذلك كله كان بهدف الوصول إلى العبر الأخلاقية. وتضمّن “معجم ألف ليلة وليلة” كذلك الاستفادة من مراجع غربية كثيرة، بحكم إلمام كاتبه باللغة الفرنسية، حيث نرى، بالإضافة إلى مراجعه العربية، نحو ستين بالفرنسية، ما يدلّ كذلك على قيمة كبيرة لـ”ألف ليلة وليلة” في الغرب، ما يقابله خجل أوساط عربية منه، بسبب نظرة تجزيئية سطحية لم تستطع الوصول إلى المظان الإبداعية العميقة لهذا الكتاب العربي الخالد، الذي ما إن يعيد المرء قراءته حتى يقف أمام جديدٍ لا ينضب معينه، بل ما زالت قراءاته مستمرة ومتوالدة. 
أهداني، أخيراً، الباحث المغربي، عبد الرحيم جيران، جزءاً أول من بحث جديد عن كتاب ألف ليلة وليلة، وسيصدر جزء ثان قريباً في لبنان، حيث تناول جوانب لم يتم التطرق إليها من قبل، من قبيل اكتشافه أنّ من كتب الليالي لا يمكن إلّا أن يكون رجل دين، بسبب الحرية الاجتماعية في الأقوال الموجودة فيه، ونحن نعرف أنّه لا حرج في الكتب الدينية إذا كان القصد من إيراد الأمثلة أخلاقياً وتربوياً وتعليمياً. كما اكتشف جيران أنّ ثمّة موثقاً للحكايات أو كاتب دواوين على شاكلة كتّاب دواوين الملوك، وكاتب الدواوين هذا موجودٌ، فرضاً، حين كانت شهرزاد تحكي لشهريار، وهو من دوّن الحكايات ووثّقها!