ديسمبر 5, 2021

قمة “الصديقان القديمان” بايدن وشي: إدارة الصراع لتفادي الانفجار

دامت قمة شي وبايدن ثلاث ساعات ونصف الساعة (أليكس وونغ/Getty)

لم تستطع القمة الافتراضية بين الرئيسين الأميركي جو بايدن والصيني شي جين بينغ الخروج بأي نتائج ملموسة بشأن القضايا الخلافية بين البلدين، خصوصاً موضوع تايوان، إلا أن اللقاء “وجهاً لوجه”، وهو الأول بينهما منذ تسلم بايدن السلطة في 20 يناير/كانون الثاني الماضي، هدف فقط إلى منع وقوع نزاع “سواء كان مقصوداً أم لا”.
وكانت التوترات تصاعدت بين البلدين عقب وصول بايدن إلى البيت الأبيض، حيث سارع إلى انتقاد انتهاكات الصين لحقوق الإنسان ضد الويغور، وقمع الاحتجاجات الديمقراطية في هونغ كونغ، وزيادة الضغط العسكري على جزيرة تايوان المتمتعة بالحكم الذاتي، إلى جانب عدد من القضايا الأخرى، بينها توسع ترسانة الصين العسكرية، في الوقت الذي انتقد فيه شي تدخل البيت الأبيض في ما اعتبره شؤوناً صينية داخلية.

وانغ جو: القمة لم تحد عن استعراض المواقف والتأكيد عليها من كلا الطرفين

وعقد بايدن وشي جين بينغ، أمس الأول، أطول محادثة افتراضية بينهما، لكن يبدو أن ثلاث ساعات ونصف الساعة من المحادثات لم تؤد إلى جسر هوة المواقف بين القوتين. وفي حين وصفت وكالة “شينخوا” الصينية الاجتماع بأنه “صريح وبناء وموضوعي ومثمر”، كشف مسؤول أميركي رفيع المستوى أن المحادثات، التي عقدت عن طريق الفيديو كونفرانس، استمرت لفترة أطول مما كان متوقعاً، موضحاً أن الجانبين ناقشا مجموعة واسعة من القضايا، من تايوان، إلى التجارة، إلى كوريا الشمالية وأفغانستان وإيران. وقال مسؤول أميركي رفيع المستوى، عقب الاجتماع، إن الغرض من تبادل الآراء، من قبل الأميركيين، لم يكن تخفيف حدة التوتر. وأضاف: “لم نكن نتوقع حصول اختراق. لم يحدث هذا الأمر”.

وقال الباحث في معهد لياونينغ للدراسات السياسية وانغ تشي يوان، لـ”العربي الجديد”: “تكمن أهمية القمة في أنها الأولى بين الزعيمين منذ تنصيب جو بايدن رئيساً للولايات المتحدة، إلى جانب أنها تعكس رغبة حقيقية لدى الطرفين في طرح كافة الملفات الخلافية على الطاولة من أجل تقريب وجهات النظر. وتعتبر مخرجاتها ضمانة مهمة لعدم تدهور وانزلاق العلاقات بين البلدين نحو مواجهة مفتوحة”. وأضاف: “بالنسبة للصين كان من المهم التأكيد على موقفها حيال مسألة تايوان، خصوصاً بعد التطورات الأخيرة والحديث عن وجود قوات أميركية في الجزيرة. وقد تحدث شي جين بينغ، بلهجة شديدة ووجه تحذيراً مباشراً من أن أي محاولة للانفصال ستواجه بإجراءات حاسمة. أعتقد أن هذه الرسالة الأهم التي أراد شي أن يوصلها إلى نظيره الأميركي، بأن خيار العمل العسكري ليس مستبعداً، بل أقرب من أي وقت مضى. وسيكون ذلك مرهوناً بمدى التزام واشنطن بصيغة صين واحدة”.

وأشار أستاذ الدراسات السياسية في جامعة “صن يات سن” وانغ جو، في تصريح لـ”العربي الجديد”، إلى أن “القمة مهمة، لكن يجب ألا نعول كثيراً على مخرجاتها، فهي لم تحد عن استعراض المواقف والتأكيد عليها من كلا الطرفين. بكين تريد أن يبدد الرئيس الأميركي المخاوف بشأن التقارب مع تايبيه من خلال تجديد الالتزام بسياسة الصين الواحدة. من جانبها أرادت واشنطن أن تظهر لحلفائها بأنها حريصة على مصالحهم، ولا تزال تمارس نفوذها من أجل ردع الصين، خصوصاً في منطقة المحيطين (الهندي والهادئ). أما باقي الملفات، مثل ملف حقوق الإنسان في شينجيانغ، وقضية هونغ كونغ، وكذلك ملف المناخ والتجارة الحرة، فهي مسائل روتينية تثار دائماً في كل لقاء وقمة دون التوصل إلى تفاهمات محددة. بعد الاطلاع على بيان البيت الأبيض، وإفادة وكالة الأنباء الصينية، يبدو أن الطريق لا يزال شائكاً وطويلاً أمام البلدين، ومن غير الوارد التوصل إلى نتائج ملموسة في غضون الأيام أو الأشهر المقبلة”.

وقال الخبير الصيني في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن سكوت كينيدي، لوكالة “رويترز”: “يبدو أنهما تبادلا وجهات النظر حول كل شيء لكنهما لم يعلنا أي قرارات أو خطوات سياسية”. وأضاف: “ربما يتم الكشف عن ذلك في الأيام المقبلة، لكن إذا لم يكن الأمر كذلك، فإن هذا الامر انتهى بالتحدث عن مواقفهما الأساسية. ويبدو أنهما يتفقان على أن العلاقة تحتاج إلى بعض الاستقرار، لكنهما لم يتفقا على كيفية الوصول إلى هناك”. وقال بول هاينلي، مدير مركز “كارنيغي – تسينغهوا” للسياسة العالمية في بكين ومسؤول سابق في مجلس الأمن القومي الأميركي، لـ”رويترز” إنه على الرغم من أن الاجتماع قد أدى إلى استقرار العلاقة على المدى القريب، “إلا أنه لم يتم التصدي للتحديات طويلة الأجل في العلاقات بين الولايات المتحدة والصين بأي شكل من الأشكال الجوهرية”. 

ونقلت مجلة “بوليتيكو” عن مسؤول أميركي قوله إن إعراب بايدن عن مخاوفه بشأن قضايا حقوق الإنسان في شينجيانغ والتيبت وهونغ كونغ لم يجد آذاناً صاغية لدى شي جين بينغ. وقال: “لديهم اختلاف حقيقي في وجهات النظر” حول هذه المواضيع. وأوضح أن شي وجه تحذيراً إلى بايدن بشأن “استخدام حقوق الإنسان للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى”. في المقابل، قدم بعض المحللين نظرة متفائلة. وأشار دانيال روسيل، الذي شغل منصب كبير الدبلوماسيين الأميركيين في آسيا في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، ويعمل الآن مع مركز أبحاث جمعية آسيا، إلى أن الرئيسين استغرقا 10 أشهر للوصول إلى نقطة التحدث بشكل مباشر، وإن كانت قد عقدت افتراضياً. وقال لـ”رويترز”: “يجب أن نفكر في هذا، ليس على أنه قمة لمرة واحدة، وإنما كقمة في سلسلة من المحادثات الهامة التي يمكن أن توجه العلاقات إلى مسار أكثر ثباتاً بينما يواصل الجانبان التنافس بشراسة. نأمل أن يتمكن الجانب الصيني من تمكين فرقه من إجراء محادثات أكثر موثوقية على المستويات الدنيا. لكن هذه ليست سوى بداية عملية للخروج من حفرة عميقة، وفي نهاية المطاف يتطلب ذلك المزيد من المشاركة المنتظمة بين الزعيمين”.

واعتبر رئيس مركز الصين والعولمة في بكين وانغ هوياو أن الاجتماع أرسل “إشارة إيجابية للغاية”. وأضاف، لوكالة “رويترز”: “أعتقد أن هذا سيثبت العلاقات الأميركية الصينية لبعض الوقت”، معتبراً أنه يتعين أن يساعد أيضاً في خفض التوترات في مضيق تايوان. وقال مدير الدراسات الأميركية في جامعة فودان في شنغهاي وو شينبو إن الاجتماع واصل الاتجاه الإيجابي لتحسين العلاقات الثنائية بعد مكالمة هاتفية بين بايدن وشي في سبتمبر/أيلول الماضي. وأضاف: “أعتقد أن الجانبين سيحولان اهتمامهما إلى زيادة التعاون وإدارة أكثر فاعلية لخلافاتهما من أجل تقليل التأثير السلبي للاحتكاكات على العلاقات الثنائية”.

حذّر شي جين بينغ نظيره الأميركي من أن السعي لتحقيق استقلال تايوان هو لعب بالنار
 

وأعلن البيت الأبيض، في بيان أمس الثلاثاء، أن بايدن وشي تحدثا بشأن ممارسات بكين في التيبت وهونغ كونغ وشينجيانغ، خلال محادثات عن بُعد استمرت لأكثر من ثلاث ساعات أمس الأول. كما بحثا ملفات كوريا الشمالية وأفغانستان وإيران وأسواق الطاقة العالمية والتجارة والمنافسة والمناخ والقضايا العسكرية وجائحة كورونا ومجالات أخرى محل خلاف. واتفق الطرفان على أن المحادثات كانت جيدة. ووصفت وكالة “شينخوا” الاجتماع بأنه “صريح وبناء وموضوعي ومثمر”، فيما قال مسؤول أميركي كبير إن الزعيمين أجريا “نقاشاً طيباً”.

وفي مستهلّ قمّتهما الافتراضية الرامية إلى تخفيف التوتّر الشديد بين الولايات المتحدة والصين حول تايوان ومواضيع أخرى حسّاسة مثل التبادلات التجارية وحقوق الإنسان، قال بايدن إنّ “التنافس بين البلدين لا ينبغي أن يتحوّل إلى نزاع، سواء كان مقصوداً أم لا”، موضحاً أن العلاقات الثنائية بين البلدين “لها تأثير عميق في ما يبدو لي، ليس فقط في البلدين، وإنما بصراحة شديدة في باقي العالم”. ورحب شي بالرئيس الأميركي باعتباره “صديقه القديم”، وكرر لهجة بايدن الودية في تصريحاته الافتتاحية. وقال: “باعتبارهما أكبر اقتصادين في العالم، وعضوين دائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ينبغي للصين والولايات المتحدة زيادة الاتصالات والتعاون”. وذكرت وسائل إعلام صينية أن شي جين بينغ أعرب عن أمله أن يتمكن بايدن من إظهار “القيادة السياسية” لإعادة السياسة الأميركية تجاه بكين إلى مسار “عقلاني وعملي”.

وبشأن تايوان، وهي نقطة الخلاف الرئيسية بين البلدين، قال البيت الأبيض: “أثار بايدن قلقه إزاء ممارسات جمهورية الصين الشعبية في شينجيانغ والتيبت وهونغ كونغ، وكذلك حقوق الإنسان على نطاق أوسع”. وأضاف أن بايدن أخبر شي جين بينغ أن الولايات المتحدة لا تزال ملتزمة بسياسة “صين واحدة” المتعلقة بتايوان، مؤكداً أنه “يعارض بشدة” كل محاولة “أحادية لتغيير الوضع الراهن أو الإخلال بالسلام والاستقرار في مضيق تايوان”. من جانبه، حذّر شي جين بينغ نظيره الأميركي من أن السعي لتحقيق استقلال تايوان هو “لعب بالنار”. وقال شي، بحسب ما نقلت وكالة “شينخوا” الرسمية، إن “السلطات التايوانية حاولت مرات عدة الاعتماد على الولايات المتحدة لتحقيق الاستقلال، والبعض في الولايات المتحدة يحاول استخدام تايوان للسيطرة على الصين”. وأضاف أن “هذا الاتجاه خطير جداً، وهو كاللعب بالنار، ومن يلعب بالنار سيحترق”. وقال: “تتحلى الصين بالصبر، وتسعى لإعادة وحدة سلمية بكل إخلاص ودأب، لكن إذا أقدم المؤيدون لانفصال تايوان على استفزازات أو تجاوزوا الخط الأحمر، فسنضطر لاتخاذ إجراءات حاسمة”. وتعتبر الصين تايوان، ذات الحكم الذاتي، جزءا منها، وتعهدت بإعادتها لسيادتها ولو بالقوة إذا لزم الأمر.