ديسمبر 5, 2021

بسنيك مصطفاي.. بين الجرائم والسرابات

بسنيك مصطفاي Besnik Mustafaj (1958) شاعر وروائي ودبلوماسي ألباني مخضرم  برز في العقد الأخير من الحكم الشمولي في ألبانيا – التي كانت آخر “قلعة” للستالينية في أوروبا – بعدّة مجموعات شعرية أولاها “موتيفات فرحة” عام 1978، ثم شارك في الحراك الديمقراطي ضدّ الحكم الشمولي، وكان مِن المؤسّسين الرئيسيّين لأوّل حزب معارض (الحزب الديمقراطي) الذي نجح في قيادة تفكيك النظام الشمولي بين سنتَي 1990 و1992 وتحوُّل ألبانيا إلى بلد ديمقراطي.

في هذا السياق، شارك مصطفاي في أوّل انتخابات ديمقراطية عام 1991، وأصبح نائباً في  أوّل برلمان ديمقراطي في البلاد، ثم سفيراً لألبانيا الديمقراطية في باريس عام 1992، ثمّ وزيراً للخارجية في 2005، إلى أن استقال من الحكومة والحزب احتجاجاً على ما آل إليه الأمر مع “رفاق الأمس”، وتفرّغ تماماً للأدب.

في غضون ذلك، أصدر في 1995 روايته “ملحمة صغيرة” التي تناوَل فيها تجربة السجن في ألبانيا. حقّقت له الروايةُ شهرةً واسعةً بعد أن تُرجمت إلى الفرنسية والإيطالية والألمانية، وقد صدرت مؤخّراً بالعربية أيضاً (عمّان 2021) بترجمة إبراهيم فضل الله. كما صدرت له عدّة روايات أُخرى ليمثّل بذلك الجيل الجديد (بعد إسماعيل كاداريه) الذي قدّم صورة مختلفة عن الأدب الألباني المتحرّر من كوابيس الحكم الشمولي.

غلاف كتابه “بين الجرائم والسرابات”

في كتاب ذكرياته واستشرافاته، “بين الجرائم والسرابات”، يتناول مصطفاي تجربته خلال الحكمَين الشمولي والديمقراطي الجديد في بلاده، حيث لا يكتفي بوصف معايشته “جرائمَ” الأوّل، بل يتناول بجرأة أيضاً “السراب” أو “السرابات” التي تبيّنت له خلال الحكم الديمقراطي وستجعله يستقيل في 2007 احتجاجاً على ما وصل إليه الحال مع حُكم “الرفاق الجدد”. حظيَ العملُ باهتمام محلّي؛ إذ صدرت منه طبعات عدّة حتى 2019، وأوروبي؛ حيثُ تُرجم إلى الفرنسية والألمانية والايطالية. وفي 2019، بمناسبة الذكرى الثلاثين لهدم جدار برلين، اختير ضمن أفضل عشرة كتب منشورة عن التحوُّل الديمقراطي في أوروبا الشرقية.

هنا ترجمتُنا لمقدّمة الكتاب.

زارَ سائحٌ فرنسي قريةً في ألبانيا. انطلق رئيسُ مجلسها الشعبي، بكلّ حماس، يشرح التحوُّلات الجذرية التي جرت في القرية تحت زعامة الحزب والرفيق أنور خوجا، وانتظَر بعد ذلك أن يُعبّر هذا الصديق القادم من بعيد عن إعجابه. وكان مستغرِباً أن يبقى الفرنسيُّ واجماً دون أن ينطق بأية كلمة. اضطرّ حينئذ المضيفُ أن يسأل المترجِم عمّا يجعل هذا الأجنبيَّ يبدو في مثل هذه الحالة.

– دع هذا المسكين في حاله! لا تنكأ جراحه! إنه يستذكر بلاده التي سقطت في البؤس بسبب الرأسمالية. أجابه المترجم.

– قُل له ألّا يغتمّ لذلك. يُمكن أن يُفكّر ويُبادِر مع بعض أصدقائه لتأسيس حزب شيوعي، ولن يُقصّر حزبنا في مساعدتهم. يمكن لشعبه أن يبني المستقبل فقط بالسير حسب أفكار ماركس وإنغلز ولينين وستالين والرفيق أنور. وحينئذ، سيرى كيف أنَّ باريس ستزدهر مثل قريتنا.

كان رئيسُ المجلس الشعبي متأكّداً بأنّه يُقدّم للضيف النصيحة المناسِبة التي ستخفّف من سخطه.

هكذا كانت تُروى هذه النكتة في ألبانيا منذ بداية الثمانينيات، حين كنتُ طالباً في الجامعة. ربما كانت مفبركةً، ولكن الشخصيات فيها حقيقية. وإذا استخدمنا أحد المصطلحات المفضّلة في الدعاية الشيوعية، لقلنا إنّ القروي يمثل بشكل يدلّ على الإنسان الجديد الألباني الذي فبركته بالتدريج خلال 45 سنة الماكينة المخيفة لدولة ديكتاتورية البروليتاريا. لا يوجد شك في أن حماس رئيس المجلس كان صادقاً، كما كان الأمر مع قلقه من برودة الصديق القادم من بعيد أمام الواقع العظيم لبلاده. كان عُمر ومنصب رئيس المجلس يسمحان بأن يتمتّع بمستوى سياسي وثقافي متوسّط بالنسبة إلى بلاده. لنتخيَّل لو أنَّ السائح سأله عمّا يعرفه عن العالم، لكان أجابه كما يلي:

العالم ينقسم الآن إلى قسمين سياسييَّن متصارعَين.

في القسم الأول، تدخُل الدول الرأسمالية في أوروبا وأميركا وأفريقيا وآسيا بزعامة الولايات المتّحدة. ومع نهاية الخمسينيات، حين وصل إلى السلطة خروتشوف وتمكّن حزبنا مع الرفيق أنور من كشف قناع الخيانة، دخلت في هذا القسم أيضاً دول المعسكر الاشتراكي السابق، التي فتحت الطريق لانحطاط السلطة الشعبية. وعلى رأس هذه الدول الاتحاد السوفييتي الذي يقوم بدور الدركي وليس بدور الأوّل بين المتساوين. سواء في الشرق أو في الغرب تعيش الشعوب في بؤس، حيث تُضطهد وتُستغل بشكل بربري، بينما تعيش أقلية صغيرة، حوالي 0.01% من السكان، في بذخ أُسطوري.

في الأنظمة الدكتاتورية هناك وسائل لوضع قوانين غير مكتوبة

أمّا القسم الآخر، الذي ينحصر الآن في مساحة 28 ألف كم ويعيش فيه 3 ملايين نسمة للأسباب المذكورة في تحليلات حزبنا ومؤلّفات الرفيق أنور، فهو أهمّ قسم في الكوكب. في هذا المجال ألبانيا، البلد الوحيد الذي يحكم فيه الشعب. وحسبما قال في موسكو خلال تشرين الثاني/ نوفمبر 1960 أنور خوجا، الابن الأعز للشعب ومهندس ألبانيا الحديثة، فإن الشعب الألباني يفضّل أن يأكل الحشيش على أن يخون الشيوعية. وبفضل دفاعه عن هذه المبادئ الخالدة، فإن ألبانيا اكتسبت مكانةً فريدة في نظر الشعوب المحبّة للسلام في العالم. لقد تعهّدت ألبانيا أمام التاريخ، مع حزبها بنظرته البعيدة وقيادة الرفيق أنور، أن تحافظ على أجمل حلم للإنسانية: الشيوعية. ولذلك فإنّ شعوب العالم، تعبيراً عن تقديرها للدور المرشد للمستقبل الذي يقوم به الحزب الشيوعي الألباني، تطلق عليه: صوت الحقيقة.

ولكنّ أكبر تقدير يحظى به الحزب والرفيق أنور هو بين الشعب الألباني. إنّ هذا التقدير يعبر عن نفسه سياسياً بشعار: “نقول للحزب والرفيق أنور نحن مستعدّون دائماً!”، ويردّ الحزب على ذلك بشعار صاغه أنور: “ما يقوله الحزب يصنعه الشعب، كلُّ شعب يصنعه الحزبُ”. إنّ هذا الشعار الذي صاغه الرفيق أنور يعبّر بشكل رائع عن الوحدة المتينة بين الحزب والشعب، التي هي المفتاح الذهبي لكل انتصاراتنا كما يقول الرفيق أنور.

ومن الطبيعي، في هذه الحالة، أنّ الفن أيضاً يجب أن يستلهم حياة وأعمال أنور خوجا العظيمة. وهكذا كُتبت آلاف الأبيات وصُرفت أطنان من الأدهان لملء مساحات واسعة بالوجه المبتسم للمرشد الذي يتّسم أيضاً بالتفكير العميق. وبشكل خاص فاضت الأغاني عنه لتملأ الإذاعة، التي هي تابعة للدولة، وتحضر في كل أنواع الحفلات الغنائية في ألبانيا.
ومن هذه الأغاني التي احتلت مكان النشيد القومي كانت “أنور خوجا، عمراً مديداً”.

هكذا كانت تُروى هذه النكتة في ألبانيا منذ بداية الثمانينيات

في الحقيقة، لم تُصدر اللجنة المركزية للحزب أيّ أمر حول ذلك، لأنه لم يكن هناك داع لذلك. في الأنظمة الدكتاتورية هناك وسائل لوضع أنظمة غير مكتوبة، وحتى أنّ مثل هذه الأنظمة غير المكتوبة تُحدّد حياة المجتمع أكثر من القوانين. إنّ هذا يجعل الفرد يشعر بأنه في حاجة إلى حماية، وهو ما كان يؤدّي لديه إلى خلق سيكولوجية خاصة تتحكّم فيها ثقافة الخوف التي يتكيّف معها الفرد، ويُصبح بشكل متزايد غير واع بقلقه وينسدل على عينيه حجابٌ يمنعه من رؤية ومحاكمة الأمور. إنّ هذا الحجاب يمثّل الانتصار النهائي للدكتاتورية. وكما هو الأمر مع وحوش الغابة التي تسحر بنظرها الضحية قبل أن تقضي عليها، كذلك يَسحر النظام الديكتاتوري الفردَ دون أن يشعر ويُسكِر عقله. وهكذا عوضاً عن الواقع الموجود حوله، يرى واقعاً موهوماً يجد وصفه في البروباغندا الرسمية.

إنّ هذه “السكرة الدماغية” تُصبح كاملةً لدى قسم من الشعب، ولا ينجو منها أيُّ قسم من الدماغ يمكن أن يبقى فاعلاً لكي يحاكِم الأمور بشكل منطقي في الحد الأدنى. ولتخيُّل ما وصلَت إليه مثل هذه “السكرة الدماغية”، يمكن أن أسوق مثلاً: من بين عشرات الآلاف من المحكومين سياسياً في ألبانيا خلال سنوات الديكتاتورية لا يوجد سوى قلائل اعترفوا بالاتهامات الموجَّهة لهم كمعارضين للنظام. ولو تصفَّحتَ ملفّات هؤلاء لوجدت أقوى القسم باليمين للولاء تجاه الحزب وأنور خوجا. وحتى من بين هؤلاء ، الذين حُكم عليهم بالسجن بين 15 و25 سنة أو الإعدام، نجد أنه عوضاً عن إصرارهم على براءتهم وإدانتهم للعنف ضدّهم كانوا ينادون: “عاش الحزب” و”عاش الرفيق أنور خوجا”!

مقابل هذا الانهيار الذي لا يمكن تخيّله من الخارج، أو من زمن آخر، كان إنشاد أغنية “أنور خوجا، عمراً مديداً” في كلّ المناسبات العامّة يبدو طبيعياً. إنّ هذه الأغنية دون شك أفضل مثَل للتمجيد البليغ لديكتاتور، إذ تُعبّر عن جنون العظمة لديه كما يبدو في هذا المقطع:

تقول الشعوب في العالَم:
هناك نجم ساطع فوق أوروبا،
ومن هذا النجم الموجود في ألبانيا
طوبى لمن يشع عليه هذا النجم
“.

وإذا عُدنا إلى النكتة المروية سابقاً، يبدو أن اثنَين (رئيس المجلس والمترجم) من الشخصيات الثلاثة هما من المواطنين المحظوظين بالعالَم في نهاية القرن العشرين، لكونهما نشآ تحت نور هذا النجم. وربما كان رئيسُ المجلس والمترجِم في عيون الأجنبي يشبهان كائنين غير طبيعيين لا يختلفان عن بعضهما في الجنون، كما هو الأمر مع المخلوقات التي تنمو تحت النور الاصطناعي. ولكنّهما لم يكونا تماماً متماثلَين. كان بينهما فرقٌ أخذ يتعاظم مع مرور السنوات حتى جعل كلُّ واحد في مواجهة الآخر. ولنقدّم هنا عرضاً مختصراً عن كل واحد منهما:

كان القروي المتمتّع بالسلطة يتجاوز الخمسينيات من عمره. يبدو نحيفاً تَظهر منه العظام مع ساقين نحيفتين ومتقوّستين لا تنضمّان جيداً تحت البنطال الصوفي، الأسود، الذي لا يشعر به في عزّ الصيف. أمّا كتفاه الصغيرتان والمكتنزتان، اللتان تُخفيان بشكل يدعو إلى العجب صدره المستوي، فتغطّيهما سترة عسكرية بهت لونها من استعمالها الطويل، وقد نُزع منها ما يشير إلى كونها سترة ضابط، إلّا أنّ استخدامها كان له معناه: إمّا أنه ضابط متقاعد لأسباب معروفة طالما أنه يشغل موقعاً في السلطة، أو أنّ له صلة عائلية مع أحد يعمل في الجيش، وربما الأكثر احتمالاً أن يكون ابنه ضابطاً. ولكنه على كل حال رجل موثوق منه.

كان يُغطّي رأسه الصغير ذا الشعر القصير بقبعة غامقة اللون، وهي عادة موروثة للتشبّه قليلاً بأعضاء قيادة الحزب في المنطقة، الذين يلتقي بهم في الاجتماعات الكثيرة في المدينة. عيناه كانتا غائرتَين في الداخل وتبدوان أصغر، وبذلك لم تكُن تساعد على إضفاء حيوية على وجهه القاتم للغاية بسبب وقوفه الطويل تحت الشمس وفي أسوأ الأحوال. كانت نظرته إلى وجه السائح تتّسم بالعطف. كان الوجه الأبيض الناعم للأجنبي بالنسبة إلى الألباني الذي بلغ الخمسينيات ليس له تفسير آخر سوى أنه شاحبٌ نتيجةً للغذاء السيئ وغير الكافي، أو أن هذا المظهر دليل على مرض سيئ أُصيب به الأجنبي، الذي لا يملك المال الكافي للعلاج لكونه ضحية للاستغلال الرأسمالي البربري. كاد أن يعرض على ضيفه القادم من بعيد أن يقبل بتبرّعه بالدم له، دون أن يتخيّل أن الضيف كان في الوقت نفسه لديه التفكير ذاته عنه؛ فلون جلده وشكلُ وجهه كانا كافيَين للأجنبي لكي يفهم أيّة حياة يعيشها هذا القروي السعيد.

سيكولوجية خاصة تتحكّم فيها ثقافة الخوف التي يتكيّف معها الفرد

كان المترجم بعمر الابن الأصغر للقروي. كان في السنة الأخيرة بكلية اللغات الأجنبية، وكان لديه شعور متزايد بصعوبة دور الوسيط بين بلاده والأجانب. فأبناء بلاده يطالبونه بأن يُعرّف وطنهم بأحسن حال. إنّ هذا يعني أن يروي للأجانب فقط التقدُّم العظيم في البلاد، وهي بالنسبة للمترجم مهمّة أخلاقية ووطنية ووظيفة رسمية لدى الدولة، ولذلك إذا قصّر في أدائها ينتهي الأمر به إلى رجال الأمن.

إنّ الواجب الأخلاقي، الذي يُعبّر عنه المثل الشعبي “الضيف يُستقبَل في أحسن غرفة بالبيت”، وتحمّله لعبء البروباغندا القوية حول الأهداف السيّئة للعالم الرجعي ضد الاشتراكية الحقّة الملتحمة مع حزبنا، كان له تأثيره النفسي الكابح في تصرُّف المترجم مع الأجنبي. ولكن الأهم كان الواجب تجاه الدولة الذي كان يؤدّي إهماله في أحسن الأحوال إلى عشر سنوات من السجن بتهمة البروباغندا ضدّ السلطة الشعبية، هذا إذا نجا من تهمة التجسّس. كان مثل هذا التهديد يُصعّب مواجهته، خاصة من شاب في العشرين من عمره.

لم يكن المترجم قد سافر خارج ألبانيا، ولكنّه تجوّل كثيراً في بلاده بصحبة الضيوف الأجانب. تجوّل معهم في سيارة فاخرة من طراز “فولفو”، ونزل في فنادق سياحية وتناول الطعام في مطاعم الدرجة الأولى دون أن يفكر في نفقات الوجبات. وهكذا تمتّع بحياة مختلفة عمّا كان يروّجُ له بحماس الحزب والرفيق أنور من كفاح ضد الراحة البرجوازية الصغيرة.

بشكل خفيّ تولدت لدى المترجم رغبة في أن يعمل لأجل مثل هذه الراحة. ولكن كيف؟

لم يكن هذا ما يشغل تفكير دماغه الغض. فمع مصاحبته للزائر الأجنبي أخذ يلاحظ أن شكل ملابسه تبدو دونما ذوق وغير مناسبة. كان من الطبيعي بالنسبة لعمره أن يعاني من معايير الظهور المناسب، التي كانت في مركز اهتمام الحزب. فقد أخذ بطلُ النكتة المذكورة تبدو له أن الأهمية الكبيرة السياسية والأديولوجية التي كانت توجّه حول عرض البنطال أو طول الشعر ليست بتلك القيمة. وهكذا فقد تعرّضت نفسيته المتماسكة إلى تصدّع عندما سأله الأجنبي عما تسببه الشوارب للاشتراكية طالما أن ستالين كان له شوارب، حيث إن المترجم الشاب شعر باحمرار وجهه وتلعثم في الإجابة دون أن يعرف بماذا يجيب. إن الاستشهاد العائد للرفيق أنور الذي يقول إن الموضة تعني انحطاطاً أخلاقياً، وإنّ الانحطاط الأخلاقي يؤدي إلى الانحطاط السياسي لم يعد يكفي لإقناع المترجم نفسه، والأجنبي بطبيعة الحال.

استمرت لديه الدراما غير المنطقية. فقد سمحت له اللغات الأجنبية بأن يقرأ من وقت إلى آخر الكتب الممنوعة، التي كانت تصل إلى ألبانيا على الرغم من الإغلاق المحكم للبلاد على يد النظام. فقد كانت تجذب انتباه الطالب روايات “دكتور جيفاكو” و”المزحة” و”جناح الاحتفالات” وغيرها من باب الفضول الطبيعي لكي يتذوّق التفاحة المحرّمة، إلى أن وقع في المحرّم مع مرور الوقت: التفكير بشكل مختلف. وهكذا أصبحت لديه رغبة متزايدة في أن يتحدث مع الزوّار الأجانب حول المدنيّة والفن والفلسفة. كان يستغرب من أن الأجانب لا يتبرّمون من أسئلته. كانوا لا يزدرونه حتى عندما كانت أسئلته تبدو ساذجة بالنسبة إلى طالب في السنة الأخيرة من دراسته في الجامعة.

جيلان سيمارسان دون وعي منهما ضغطاً من جهتين متعارضتين

كانت مثل هذه الأحاديث ممتعة خلال الغداء والعشاء حين كان النبيذ يساعده على حلّ عقدة لسانه. إلا أن مثل هذا التأثير للنبيذ لم يصل إلى حد اختراقه لمناطق خطرة جداً. فقد عرف من تداول الأحاديث أن الطاولات التي يجلس حولها الأجانب، وكذلك غرف النوم التي ينامون فيها، لها آذان مرهفة. إن مثل هذه الضرورة للسيطرة على الذات، غير العادية بالنسبة إلى عمره، كانت ترهقه وتقلّل من تمتّعه بالعمل الذي يقوم به دون أي أجر. وبالإضافة إلى ذلك كانت ترهقه ترجمة الأحاديث مثل ذلك الحديث الذي دار بين الأجنبي ورئيس المجلس الشعبي في القرية.

بعد أن ودّع السائح في مطار تيرانا عاد لقضاء أمسية قصيرة مع حبيبته، التي كانت طالبة أيضاً. كان يخفي في جيبه بعض قطع العلكة التي أعطاها له صديقه الأجنبي بخفية عن عيون رجال الأمن. كان سعيداً في أن يُسعد حبيبته بمثل هذه الهدية النادرة، التي كانت تُعتبر أحد رموز انحطاط الشباب في الدول البرجوازية.

كانت الفتاة متعطشة لمعرفة كيف قضى وقته. في رأسها تجمّعت الكثير من الأسئلة التي أفرغتها أمام حبيبها قبل أن تقوله له: لقد اشتقت لك كثيراً:

كيف كان؟ كيف كان يأكل؟ ماذا كان يقول عن الزواج؟ هل كانت معه سيارة؟ هل سافر إلى بلدان أخرى؟ هل صحيح ما يقال أن كاداريه سيفوز بجائزة نوبل؟ هل…؟

كان الشاب يستمع إلى ذلك دونما تركيز، وهو ما منع الفتاة من أن تستمر في الأسئلة التي كانت تشغلها. توقفت عن طرح الأسئلة وتمعّنت في وجه حبيبها لتحاول أن تفهم في ما يفكر فيه. كان الشاب كمَن يتوقع توقفها عن طرح الأسئلة فأجابها:

– من الأفضل ألا أذهب بعد الآن مع الأجانب… إنه ليس بالعمل… 

كان يشعر بحذر يمنعه من أن يقبّل حبيبته المشتاقة. كان هو مشتاقاً أيضاً إلى مداعباتها. ولكنه لم يستطع لا هو ولا حبيبته من تحديد من المسؤول عن إفساد تلك الأمسية. وبالتحديد لم يتمكنا من تحديد المسؤول عن إفساد جمال علاقتهما بشكل عام.

هكذا، إذن، كانت تبدو الفوارق بين الشخصيتين الألبانيتين في النكتة. هي فوارق بين جيلين سيمارسان دون وعي منهما ضغطاً من جهتين متعارضتين، بشكل لم يسبق له مثيل، على الاتجاه السياسي لألبانيا خلال الثمانينيات. كان الانتصار في ذلك محسوماً من قوانين الطبيعة لصالح الشاب. إلا أن الأمر السيئ كان يكمن في انقطاع الشريان بينهما، ذلك الذي يسمح بتعاون القوى. ولذلك فإنّ الانتصار سيأتي متأخراً. لم يكن لدى أي طرف ما يكفي من القوة لكي يقصى الآخر من المسرح.