سبتمبر 17, 2021

معارك مأرب: الحقيقة تغيب في “صراع منسيّ”

عسكريون موالون للحكومة اليمنية في مأرب (فرانس برس)

باتت الحقيقة نفسها ضحيّة مشتركة لأطراف النزاع اليمني، وسبباً رئيسياً في تحويل ما يجري إلى “صراع منسي”. فخلال الفترة الماضية، استحوذت الأعمال القتالية المتصاعدة منذ 3 أشهر في محافظة مأرب على اهتمام المجتمع الدولي الساعي لإحياء عملية السلام. وعلى الرغم من خطورة الوضع الذي ينتظر أكبر تجمع للنازحين على مستوى اليمن، إلا أن المشهد العسكري لا يزال ضبابياً، في ظل التعتيم الحاصل في نقل الصورة لحقيقة ما يجري على الأرض. وخلافاً للانفتاح المحدود الذي شهدته باقي جبهات القتال اليمنية أمام وسائل الإعلام المستقلة المحلية والدولية، كانت جبهات مأرب صعبة المنال للمراسلين الحربيين والباحثين عن الحقيقة، في ظل استعار القتال داخل مناطق صحراوية ونقاط تماس صفرية يصعب اختراقها. 

ومنذ تكثيف الهجمات الحوثية العدائية على مأرب مطلع فبراير/شباط الماضي، لجأت المليشيات الحوثية لإخفاء مكاسبها الميدانية على غير العادة، حيث اكتفت وسائل إعلامها الرسمية بنشر إحصاء يومي للغارات الجوية التي تشنها مقاتلات التحالف بقيادة السعودية، دون الإشارة بشكل مطلق للتطورات الميدانية التي كانت تفاخر بتحقيقها ولو على مستوى مربعات جغرافية صغيرة في محافظات أخرى. 

في المقابل، انتهجت القوات الحكومية ذات المسار. وعلى الرغم من شراسة الهجمات الحوثية التي شردت نحو 22 ألف نازح خلال الأشهر الماضية، إلا أن الإعلام الرسمي افتقر للمهارات المطلوبة، سواء في نقل التبعات الحاصلة بالجانب الإنساني أو إبراز حجم التضحيات التي تقدمها القوات الحكومية، حتى وإن كان دور تلك القوات يقتصر على التموضع في الجانب الدفاعي.

كانت الأهداف الحوثية من وراء التعتيم واضحة للعيان، وهي” مراوغة المجتمع الدولي” الذي يضغط بقوة لوقف الهجوم الذي يهدد أكبر تجمع للنازحين على مستوى اليمن، وجعل القوى الكبرى أمام أمر واقع بإسقاط مدينة مأرب، لكن الإعلام العسكري الحكومي، الذي كان يتجاهل التطرق لأي انكسارات ميدانية، لم يكتفِ بالمشاركة في تغييب الحقيقة، بل أصرّ على إطلاق مسميات عائمة للمناطق التي لا تزال تتمركز فيها قواته، وفقاً لخبراء. 

قلّة التغطية الإعلامية الدوليّة للأزمة اليمنية ونزاعها المسلح

وأشعلت مواجهات مأرب، معركة إعلامية من نوع آخر سببها غياب الحقيقة، فبعد تقارير صحافية تطرقت إلى اختراق ميداني للحوثيين، تعاملت الحكومة الشرعية مع ما نُشر بشن حملة تكذيب مضادة، واتهمت على لسان وزير الإعلام معمر الإرياني وكالات الأنباء الدولية بـ”بالوقوع تحت طائلة التضليل الذي تمارسه آلة الدعاية الإيرانية ـ الحوثية “. وفتحت الجلبة المثارة مؤخرا ملفاً هاماً حول أزمة الحصول على المعلومة من معركة مأرب، وتواضع الأداء الإعلامي الحكومي في مواكبة المتغيرات وإظهار الحقائق للرأي العام الدولي والمحلي.

دعاية سياسية
على مدار سنوات النزاع اليمني الممتد منذ 6 سنوات، دأبت جماعة الحوثيين على سياسة تضليل الرأي العام بدرجة أساسية كجزء من الحرب النفسية ضد خصومها في القوات الحكومية، حيث تكفلت بتسويق الأخبار المضللة كنوع من الدعاية السياسية، وإشاعة الخوف في نفوس مناهضيها. فقد رفضت السلطات الحوثية مراراً السماح لوفود إعلامية أجنبية بالدخول إلى المناطق الخاضعة لنفوذها، وفي حين استطاع البعض التسلل خلسةً براً، بعد رفض منحهم تصاريح جوية للهبوط في مطار صنعاء، كان الطرد أو الاعتقال هو المصير الذي ينتظر الباحثين عن الحقيقة. 

دأبت جماعة الحوثيين على سياسة تضليل الرأي العام كجزء من الحرب النفسية ضد خصومها في القوات الحكومية

وتحولت الأزمة اليمنية إلى ما أطلق عليه بـ”الحرب المنسية”، جراء قلة التغطية الإعلامية الدولية للنزاع الدائر. وأرجع الاتحاد الدولي للصحافيين، في تقرير حديث، شحة التغطية الإخبارية لما يجري إلى “صعوبة إنتاج تقارير مستقلة من اليمن”. ويقول الاتحاد الدولي إن اليمن بات من أخطر دول العالم على حياة وسلامة الصحافيين منذ العام 2015، ويبدو أن هذا التصنيف كان سبباً وراء النظرة السوداوية التي تكونت لدى المراسلين الحربيين الذين كانوا يرغبون في القدوم إلى البلد المضطرب. وبعد سنوات من الغياب شبه التام للإعلام الدولي الذي عادة ما يقدم مادة دقيقة تحظى بانتشار واسع، تنبّه التحالف العسكري الذي تقوده السعودية للخلل، في ظل تزايد الاهتمام الدولي بما يدور على تخوم المدينة النفطية، ونظّم منتصف إبريل/نيسان الجاري زيارة لعدد من وسائل الإعلام الدولية إلى مأرب. وقبل ذلك، كان مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية قد نظم زيارات مماثلة لوفود صحافية وباحثين أجانب إلى محافظتي مأرب وشبوة. 

أشعلت مواجهات مأرب معركة إعلامية من نوع آخر سببها غياب الحقيقة

اتهامات بالفشل
شكّلت المواجهات المحتدمة في الأطراف الغربية لمدينة مأرب اختباراً حقيقياً لوسائل الإعلام الباحثة عن الحقيقة من مناطق مشتعلة. ومع احتدام المعارك يومًا بعد آخر، لم يكن أمام الإعلام المستقل سوى التواري وترقب ما ستعلن عنه أطراف النزاع فقط عبر إعلامها الحربي. يؤكد مصور صحافي لفضائية محلية، لـ”العربي الجديد”، أن مخيمات النازحين التي هجرها الآلاف، غربي مأرب، كانت النقطة الأخيرة التي يُمكنهم الوصول إليها، في مقابل استحالة التقدم إلى خطوط النار المتقدمة التي تشهد كثافة نارية لا مثيل لها في كل معارك اليمن. وأشار المصور، الذي لم يكشف عن اسمه، إلى أن بعض الوسائل الدولية لجأت للاعتماد على مقاتلين في مسألة التقاط الصور وتزويدها ببعض المشاهد من الخطوط المتقدمة، بعد منحهم مقابلاً مادياً. 

وفي ظل الحضور الحصري للإعلام الحربي من الجانبين، كانت المنصات الرسمية، سواء تلك التابعة للحكومة المعترف بها أو لجماعة الحوثيين، المصدر الوحيد لغالبية وسائل الإعلام المحلية والدولية التي تلجأ لمزج الروايتين المنشورتين الساخنتين عسكريا وإنسانيا، لكنها غالبا ما تقع ضحية للتضليل.

كانت المنصات الرسمية التابعة للحكومة أو لجماعة الحوثيين المصدر الوحيد لغالبية وسائل الإعلام

ويقول خبراء إنّ جماعة الحوثيين استفادت من التجربة الإيرانية الإعلامية، حيث جعلت الصفحة الخاصة بمتحدثها العسكري يحيى سريع، على موقع التدوين المصغر تويتر، مصدرًا وحيدًا لكافة عملياتها العسكرية داخل اليمن وفي العمق السعودي، باللغتين العربية والإنكليزية، فيما بدت الآلة الإعلامية للحكومة الشرعية متواضعة بشكل يثير الشفقة. 

واعتمدت القوات الحكومية على مركز إعلامي في موقع تويتر، فضلاً عن الحساب الرسمي لوزير الإعلام معمر الإرياني. وفيما لجأ موقع القوات الحكومية لنشر توصيفات عائمة لمسارح المعارك في مأرب دون تحديدها على وجه الدقة، وكذلك عدم إحصاء دقيق للضربات الجوية، لم ينجح أسلوب الإفراط في التغريد الذي انتهجه الوزير الإرياني، والذي غالباً ما يكرر ذات المفردات الإنشائية، في جذب الإعلام المستقل داخلياً وخارجياً، بقدر ما شكّل مادة خصبة لوسائل إعلام موالية للتحالف السعودي فقط. 

بلوغ المعايير 
في ظل اتهامات للصحافة الحرة بالغياب عمّا يدور في مأرب وترك المتابع ضحية لوسائل إعلام مضللة أو مملوكة، نشأ عدد من المنصات الإخبارية المستقلة بهدف تقديم الخبر المجرّد، ومنها منصة “يمن فيوتشر” التي أسستها قبل عام الصحافية والنقابية اليمنية المخضرمة ثريا دماج. ترفض دماج التهم الموجّهة لوسائل الإعلام المحايدة بالتقصير، وفي مقابل تأكيدها على أن الإعلام المستقل “لم يفشل على قلته في تغطية الأعمال القتالية”، أقرت رئيسة تحرير منصة “يمن فيوتشر” بـ”القصور في بلوغ المعايير المهنية في تغطية مسرح العمليات الحربية”. 

تعتمد المنصة النشطة، رغم حداثة نشأتها، في تغطية أحداث مأرب على مصادر عسكرية حكومية وقنوات غير رسمية داخل الائتلاف العسكري الذي يشمل رجال القبائل. ورغم ذلك، تؤكد دماج على أن الخصوصية المحورية لمأرب في ميزان الصراع “أدت إلى تراجع فرص الحصول على معلومات من سكان المدينة كمصادر وشهود عيان مستقلين نسبياً حول ما يجري هناك، جراء ضغط المخاوف من المساءلة، فضلاً عن حالة عدم اليقين بشأن مصير المدينة”. 

وفيما تؤكد أن الوقوع في فخ الدعاية السياسية “شيء وارد  في كل الأحوال وسط التعتيم المحيط بمعركة مأرب، التي تدور حتى الآن في مناطق جبلية أو صحراوية خالية من الناشطين الفاعلين على وسائل التواصل الاجتماعي”، تقول الصحافية اليمنية لـ”العربي الجديد إن أفضل طريق لتلافي ذلك هو أن ينسب الخبر إلى مصدره الرسمي، مع الحرص على عدم التردد في نفيه لاحقاً في حال كان الخبر المنشور هدفه إحداث تشويش.