تصنيفات

أغسطس 4, 2021

كمن عاش طوال حياته في فيلم

“حياتنا سينما”. كثيراً ما نقول ذلك، كلّما واجهتنا مواقف غريبة. وننسى أنّ الحياة حدثت أولاً، ثم جاءت السّينما لتحتفي بها. مع ذلك، لا أحد يشكّك في أنّ بوسع السينما التغلّب على الحياة، في الواقعية والسّوريالية والصّدق والألم والعمق والأثر. في الحَجر الصحي، يمكن تصنيفي ضمن الذين يختنقون تحت ثقل أيّامه، على الرغم من أنّني اعتدتُ البقاء في البيت أياماً متتالية، من دون إحساسٍ بالضّيق، فأشياء مهمة في الحياة تتطلب تركيزاً وحميمية وعزلة، لا تتوافر إلّا في البيت، مثل القراءة، الأفلام، الموسيقى، الطبخ، الراحة .. لكن ما الذي ينقص؟

المقهى والمشي، إنّهما أكثر ما أفتقده في العزلة التي كنت أدخلها طوعاً عدة أسابيع؛ أذهب إلى العمل نصف اليوم، ثم أقضي بقيته في مقهى لإتمام عملٍ عالق، أو لإنهاء نص متشنّج أو للدراسة. بعدها أغادرُ في رحلةٍ تطول أو تقصر، أكون فيها اجتماعية للغاية، وأستمتع بالحياة الخارجية. لكن في ذلك كله أستمتع بالمشي قدر الإمكان، وبلحظات الجلوس في المقاهي، حتى لو كان ذلك للعمل، وليس للمتعة.

الآن، أنظر إلى البيت باعتباره مكاناً ضيقاً للغاية. فقط ما نفعله يشغلنا قليلاً عن التفكير، في ضيق الجدران وثقلها؛ الأفلام والكتب تصبح العوالم الأرحب. وتمتلك السينما بشكل خاص القدرة على أن تكون النافذة الأكثر إراحة للذهن، في لحظات التّعب والملل واللّاجدوى، فتعيش ساعة ونصف ساعة (المدة المثالية لفيلم) في عالم آخر، وأُفضّلهُ عالماً طبيعياً، فيه مساحات خضراء، وبحر، وجبال… مشاهد تؤثث الفيلم، وتمنحك تجربة الاتحاد مع الطبيعة.

هنا تنبش ذاكرتي أفلام الخيال العلمي، حيث يقضي رواد الفضاء بعض الوقت، في مشاهدة فيديوهات للطبيعة بأبعادٍ تجعلها حقيقية ما أمكن، نحن الآن أشبه بهم. من جهةٍ أخرى، أحاول قدر الإمكان تجنّب الأفلام التي تطرح أسئلة وجودية؛ لأنّنا نعيش أزمة وجود غير مسبوقة، وأذهاننا تسرح بنشاطٍ مفرط في أرض الحيرة والشك. بحيث لا نحتاج أفلاماً تضاعف ذلك، وتدفعنا إلى الوقوع في حُفر الاكتئاب.

“Never gonna snow again” فيلم بولندي من إنتاج 2020، بطله شاب أوكراني يعمل مدلّكاً منزلياً في بولندا، ينتقل كل يوم من شقته الفقيرة إلى حيّ فاخر، حاملاً سريراً متحرّكاً على كتفيه، ليُقدّم خدماته لسكّان الحيّ من الطبقة الفاخرة صاحبة الهموم المختلفة. وهو الصّموت غريب الأطوار؛ في جلسات التدليك ينوّم زبائنه، وغالباً زبوناته، ليطوف في بيوتهم/هن، ويأخذ راحته فيها بالرقص وتجربة الحياة في كل منها… في طقوس غريبة.

قدرة السّينما على زعزعة كياننا تفوق قدرة أيّ فن آخر؛ الموسيقى قد تحلّق، تسافر بك، وتهدئ حروب عقلك، لكن السّينما تفعل هذا ونقيضه

ينهي المدلّك فجأة علاقته بالحيّ في عرض سحري، في مسرح المدرسة الفرنسية، حين يختفي خلال العرض من حياة الأجساد التي تعرفها أصابعه جيداً، الأجساد المتعبة من الضّغوط والكحول والمخدّرات والآمال الخائبة.. هذا الفيلم لم يغادرني منذ شاهدته.

قدرة السّينما على زعزعة كياننا تفوق قدرة أيّ فن آخر؛ الموسيقى قد تحلّق، تسافر بك، وتهدئ حروب عقلك، لكن السّينما تفعل هذا ونقيضه. تدفعك إلى التفكير، لتعيد النظر. تخرج من حياتك إلى حيواتٍ أخرى تتقمصك بالكامل، فتخرج من القاعة، إذا شاهدتَ فيلماً فيها، وأنت لا تزال داخل الفيلم، أو تغادرها، والفيلم لا يزال مستمراً معك خارجها، وأنت جزء منه؛ أنت البطل(ة)، تمشي كأن كتفيك غير عالقتين بجذعك، خفيفتان وواثقتان كأنّ خلفهما كاميرا مخرج، سيوقفك في أي لحظة…

الوقت ليل، وأنت تسير في مكانٍ كان آمناً بالأمس مثل كل يوم، لكنّه تحوّل اللحظة إلى منطقة خطيرة، لأنّك رأيت في الفيلم أحياء تشبهه، وكانت بالغة الخطورة، تحمل مفاجآتٍ أنت متأهب لها، وتنتظر مع كل انعطافة حدثاً ما. لا ترغب في أخذ تاكسي، لأنّ السائق قد يكون من شخصيات الفيلم العدوانية.

نعيش واقعاً بائساً مع الوباء، والأسوأ أننا نحياه من دون ألوان السينما وبهجتها

لا يقدر كل فيلم شاهدته أن يحمل لك هذه المشاعر، لكن فيلم “الحافّة”، للمخرجة المغربية، ليلى الكيلاني، المنتج عام 2011، وصوّر قصة شابة في طنجة تعمل في مصنع تقشير الجمبري (الروبيان) نهاراً، وفي الدّعارة والسرقة ليلاً.. واحد من أفضل الأفلام المغربية، حيث البطلة لا تتوقف عن الحركة والكلام، حتى تعديك، فتخرج وأنت تمشي مثلها، وتنظر إلى طنجة بعينيها، عينَي نسر مكسور الجناحين، لكنه لا يتوقف عن محاولة الطّيران.

حياتنا سينما، لكنهم أغلقوا القاعات، وتركوا المقاهي والحمامات والنّوادي الرياضية التي لم تُغلق إلا في الفترة الأولى، مع أن القاعات آخر ما يمتلئ في بلداننا، بل هي مكان جميل للخلوة والاستراحة من ضجيج المدن. والآن، نعيش واقعاً بائساً مع الوباء، والأسوأ أننا نحياه من دون ألوان السينما وبهجتها التي نكتفي بما جادت به شاشاتنا المنزلية، لكن الفرق هائل بين مشاهدة فيلم في البيت ومشاهدته في القاعة السينمائية، مثل الفرق بين أن تعيش قصة وتراها في فيلم، أو مثل أن تطل على الحدث من نافذة وتشعر في نهايته كأنّك قفزت مرغماً من الشاشة إلى الواقع، أنت الذي عاش طوال حياته في الفيلم المُنتهي للتوّ.