ديسمبر 6, 2021

درسٌ في الكتابة

لا يقدّم ماريو فارغاس يوسا للروائي الشاب الذي وجّه إليه كتابه “رسائل إلى روائي شاب” أيّة وسيلة يمكن أن تساعد في الكتابة، عدا واحدة يمكن أن تعدّ أهم الوسائل المساعدة على الإطلاق، كما يمكن أن تعدّ إحدى العقبات الكبرى إذا لم يؤمن بها ويصدّق أنها وسيلته الأهم في الكتابة: الحرّية. يمرّر الروائي هذه الكلمة كما لو كان أحدَ السحَرة، من خلال الكلام الظاهري عن الخيال والمكان والزمان والواقع والشخصيات.

هل هذا إحراجٌ تعليميّ؟ لا يوجّه يوسا رسائله إلى روائيٍّ ما يمكن تسميتُه. ليس معروفاً مَن هو الشاب الذي يخاطبه المعلّم، مثلما كان ذلك الشاعر الشاب الذي خاطبه ريلكه ذات يوم في “رسائل إلى شاعر شاب”. بل إنّه يوجّهها إلى الكتابة، أو إلى درس الكتابة، الذي يجعل من الحرّيّة مفتاحاً يرى من خلاله العالم، ويعيد تشكيله ـ وهذه هي الرسالة الثانية ـ بالحرية التي منحها لنفسه.

لم يكن يوسا جادّاً في أن يوجّه تعليماً إلى أي روائي، وليس في برنامجه الإبداعي أيُّ وهمٍ في أن يكون بوسعه هو، أو غيره أيضاً ـ بحسب ما أظن أنّه يفكّر، أن يقدّم مدرسةً للتدرُّب على الكتابة الروائية، منقولةً أو مُستَمدَّةً من أيّة تجربة أو مرجع. ويمكن لأيّ كتاب نقدي، من تلك الكتب النقدية التي ناقشت فنّ الرواية، أن يكون ندّاً لكتاب يوسا. ولكنّ فضيلة هذا الكتاب هي أنّ كاتبه روائيٌّ فنّان، أضاف الكثير إلى فنّ الرواية العالمية.

لا يوجّه ماريو فارغاس يوسا رسائله إلى روائيٍّ ما يمكن تسميتُه

لهذا، يمكن اعتباره مجرّد حيلة، لا أكثر، لكتابة بعض الآراء عن هذا الفنّ، أو لمنحنا المعطيات الضوئية المساعِدة، ومنها مثلاً: “الكتابة هي طريقة في الحياة”، كما كان يقول فلوبير (على ذمّة يوسا أيضاً). فاختيار هذه الطريقة التي تخصّك وحدك يحمل الدلالة على المدى أو المسافة التي تسمح فيها لنفسك بأن تكون حرّاً من الطُرق الأخرى التي يرسمها لك غيرُك، سواء كانت طريقة في السياسة، أو كانت طريقة في الفن والأدب.

أو: لا يمكن لِمَن يرضى بالعالم الواقعي كما هو أن يكون روائياً، فاختلاق القصص طريقةٌ لممارسة الحرّيّة. وكلّ مَن يسعى لنسج حيوات من الخيال إنّما يُعلن عن رفضه وانتقاده للعالم الواقعي، أي أنّه في هذا المسار يثير القلق من هذا العالم داعياً ــ بالسرّ الروائي المخبّأ في النصوص وبحرّيّة الشخصيات ــ إلى التمرّد عليه. بل إن الروائي يعتبر أن طريقة كلّ كاتب في استغلال الزمان أو المكان أو الخيال مثلاً، إنما هي وسيلته ليحرّر إبداعَه من عوائق المحيط في العالم الواقعي، كي يزوّده بذلك الاستقلال الذي يمنحه تميُّزَه وتفرُّده بين غيره من كتّاب الرواية.

الكلام عن كتابٍ في أقّلّ من مئة وخمسين صفحةٍ من التركيز على الحرّيّة التي يجب أن تكون الضامن الوحيد للعلاقة بين الكاتب والنصّ، يُمكن أن يُختَتم بقصيدة لمحمود درويش إلى شاعرٍ شاب، تتحدّث عن الحرية أيضاً: “لا تصدق خلاصاتنا/ وابتدِئْ من كلامِك أنت/ كأنّك أوَّلُ مَن يكتب الشعر/ أو آخر الشعراء”.

* روائي من سورية