ديسمبر 6, 2021

استهداف الحوثيين لقاعدة الملك خالد: أبعد من استعراض القوة

يزعم الحوثيون أن ضرباتهم تحقق إصابات دقيقة (فايز نورالدين/فرانس برس)

تحوّلت قاعدة الملك خالد الجوية في مدينة خميس مشيط السعودية، إلى هدف رئيسي للهجمات الحوثية المسيّرة، طيلة الأسابيع الماضية، وذلك بالتزامن مع تصاعد الأعمال القتالية في محافظة مأرب النفطية شرقي اليمن. وتمتلك السعودية عدداً من القواعد العسكرية الهامة، لكن قاعدة الملك خالد، الواقعة في منطقة عسير، تعد مسرح العمليات العسكرية للتحالف السعودي ضد الحوثيين، كونها المسؤولة عن إدارة المعارك لحماية الحدّ الجنوبي للسعودية، فضلاً عن دورها الهام، كرأس حربة للطلعات الجوية التي تستهدف إحباط الهجوم البرّي الحوثي على معاقل الحكومة اليمنية في مدينة مأرب.

تعد قاعدة الملك خالد مسرح العمليات العسكرية للتحالف السعودي ضد الحوثيين

منذ مطلع إبريل/نيسان الماضي، استحوذت القاعدة، التي تبعد نحو 100 كيلومتر فقط عن الحدود اليمنية السعودية، على حصّة الأسد من الهجمات الحوثية، وذلك بأكثر من 20 هجوماً جوياً، آخرها فجر الأربعاء الماضي، وفقاً لإحصاء “العربي الجديد” من البيانات الرسمية التي ينشرها المتحدث العسكري للحوثيين، يحيى سريع.

ولا يبدو أن الهدف من الهجمات الحوثية التي تطاول قاعدة خميس مشيط، يقتصر على استعراض القوة هذه المرة، إذ تكشف الضربات اليومية التي يتم تنفيذها عبر طائرات مسيّرة من طراز “قاصف كا 2″، عن رغبة حوثية في إخراج منصة إقلاع المقاتلات الحربية السعودية التي تقف حجر عثرة أمام تقدمهم صوب مدينة مأرب، عن الجاهزية.

ومن خلال تتبع مسار الهجمات الجوية الحوثية، يتضح أن الجماعة تجاهلت بشكل تام الصواريخ البالستية في تنفيذ هجماتها الأخيرة، نظراً لامتلاك القاعدة منظومة دفاع أميركية متطورة، ولجأت بدلاً من ذلك إلى الطائرات المسيّرة التي تزعم أنها تحقق إصابات دقيقة، على الرغم من الإعلانات المتكررة لقوات التحالف عن إحباط تلك العمليات.

وكانت القاعدة، التي بناها الجيش الأميركي في العام 1960 في منطقة جبلية جنوبي منطقة عسير، هدفاً لأولى الهجمات الصاروخية الحوثية القادمة من اليمن صوب العمق السعودي، وذلك في 15 يونيو/حزيران 2015. وأعلنت الجماعة حينها استهدافها بصاروخ بالستي من طراز “سكود”، سرعان ما أعلن التحالف السعودي اعتراضه قبل الوصول إلى هدفه.
ووفقاً لتقارير دولية، فإن القاعدة التي تحتوي على مدارج عدة لمقاتلات “إف 15” و”سوخوي”، وتضم أيضا مكتب بريد ومصرفاً ومساجد ومتجراً للمواد الغذائية، كانت تحتضن خلال سنوات حرب اليمن الأولى، ضباطاً أميركيين يقدّمون مساعدة لوجستية واستخبارية للتحالف، مع تزويد المقاتلات الحربية بالوقود في الجو قبل أن يتوقف ذلك بأمر من الرئيس الأميركي جو بايدن.

ولا تعد قاعدة الملك خالد المسرح الوحيد لعمليات التحالف في اليمن، إلا أن قربها من الحدود اليمنية، يجعل جماعة الحوثيين تدرك أنها خطّ الهجوم الأول للسعودية في تنفيذ الضربات الجوية لتحركاتهم، سواء في الشريط الحدودي أو في محافظة مأرب. وفي تصريحات سابقة له، اعتبر المتحدث العسكري للحوثيين، قاعدة الملك خالد، بأنها “من أهم القواعد التي تنطلق منها عمليات تحالف العدوان”، وزعم أن هجماتهم أجبرت السعودية على “نقل كنترولات التحكم والسيطرة إلى قواعد أخرى لتصبح منطلقاً جديداً للعمليات”، من دون الكشف عن هوية تلك القواعد.

ولجأت جماعة الحوثيين أخيراً إلى إخفاء طبيعة الهدف الذي يتم استهدافه في القاعدة بالحديث عن “مواقع حسّاسة وهامة”، بعدما كانت تفضح في السابق طبيعة الأهداف، وتزعم أنها نجحت في تدمير مرابض الطائرات الحربية أو منصة الرادارات ومخازن الأسلحة.
ويستخدم الحوثيون في هجماتهم على القاعدة السعودية، طائرات مسيّرة من طراز “قاصف كا 2” فقط. ووفقاً لتقارير أميركية، فإن هذا الجيل من الطائرات الذي دخل الخدمة عند المليشيات الحوثية في العام 2019، هو نسخة لطائرة إيرانية كانت تحمل مسمى “أبابيل”. ويتميز هذا النوع من المقاتلات المسيّرة بمواصفات متطورة. ويقول الإعلام العسكري للحوثيين، إن أبرز تلك المزايا تتمثل في “عجز أنظمة الرادار والمنظومات الاعتراضية عن التقاطها ورصدها”، فضلاً عن قدرتها على حمل كميات كبيرة من المتفجرات التي من شأنها مضاعفة القوة التدميرية التي يخلّفها القصف.

أخفقت هجمات الحوثيين في تحييد القاعدة عن دورها في إسناد الجيش اليمني في معركة مأرب

وبالنظر إلى توقيت الهجمات الحوثية على قاعدة الملك خالد، يتضح جلياً أنها تتزامن مع تنفيذ أعنف الهجمات البرية على معاقل القوات الحكومية في مدينة مأرب في ساعات الليل المتأخرة، وذلك بهدف إرباك الطيران الحربي عن قصف تحركاتهم وآلياتهم. وبات من الواضح أن الاستراتيجية الحوثية، سواء بتكثيف الهجمات الحوثية أو تطور السلاح المستخدم، قد أخفقت في تحييد قاعدة الملك خالد عن دورها في إسناد الجيش اليمني.

وأكد مصدر في القوات الحكومية لـ”العربي الجديد”، أن الطيران السعودي كان حاضراً بقوة خلال المعارك المحتدمة غربي مأرب خلال الأشهر الماضية، وذلك بمعدل ضربات يومية يصل إلى 18 ضربة على رقع جغرافية صغيرة، مثل صرواح ومدغل. ويجد الطيران الحربي صعوبة في اصطياد المجموعات الحوثية عندما ينتقلون فرادى إلى سلاسل جبلية، لكن فعاليته تبرز بشكل أكبر عندما تكون الدوريات والعربات القتالية في مناطق مفتوحة كما حدث في منطقة الكسارة غربي مأرب، التي شهدت أكبر نزيف بشري حوثي خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وفقاً للمصدر ذاته.
وبلغت الضربات الجوية التي نفذتها مقاتلات التحالف على مواقع الحوثيين غرب مأرب، منذ مطلع إبريل/نيسان الماضي، أكثر من 256 غارة، وفقاً لما رصدته “العربي الجديد” عن وسائل إعلام حوثية، فضلاً عن غارات متفاوتة لم تكن بالشدة ذاتها، وطاولت مواقع حوثية مفترضة في صعدة وحجة والبيضاء. وقياساً بالكثافة التي شهدها شهرا فبراير/شباط ومارس/آذار الماضيين، بدا معدل الضربات الجوية في إبريل، أقل نسبياً، حيث كانت المعارك قد انحسرت بشكل ملحوظ خلال الأسابيع الأولى من الشهر الماضي، قبل أن تحتدم بشكل غير مسبوق في مديرية المشجح منذ نحو أسبوع.

ووفقاً لوسائل إعلام حوثية، فقد بلغت الضربات الجوية للتحالف في أطراف مأرب خلال العام الحالي، وتحديداً الفترة الممتدة من يناير وحتى الآن، أكثر من 2300 غارة. وتكشف المشاهد التي يوزعها التحالف والقوات الحكومية، عن خسائر بشرية ومادية فادحة في صفوف المقاتلين الحوثيين. ووفقاً لبيانات التشييع التي تفصح عنها السلطات الحوثية، فقد تجاوز عدد قتلى الجماعة منذ 7 فبراير الماضي، أكثر من 2200 عسكري.