ديسمبر 1, 2021

مملكة الخزر كما رآها الإصطخري في القرن العاشر الميلادي

بدأ اهتمام الجغرافيين والرحالة العرب والمسلمين بمناطق أواسط آسيا والقوقاز مع انتهاء عصر الفتوحات، والبدء ببناء الدولة التي ورثت إمبراطوريتين عالميتين، هما: الإمبراطورية الساسانية، وأجزاء واسعة من الإمبراطورية البيزنطية. وكانت منطقة وسط آسيا محور اهتمام الخلفاء العباسيين، لأن طريق التجارة الرئيس مع الصين كان يمر بها، وكانت معرفة شعوب هذه المنطقة وعقد الاتفاقيات معها أمراً حيوياً في تيسير مرور البضائع، وبالتالي تدفق عائداتها على الخزينة.

ومن أكثر المناطق التي حظيت باهتمام الرحالة والبعثات الاستكشافية الإسلامية مملكة الخزر، تلك المملكة الغامضة التي ظهرت في القرن السابع الميلادي، واختفت في القرن الحادي عشر، وكانت تسيطر على الجزء الأهم من طريق الحرير، إضافة إلى كون عاصمتها عند مصب نهر الفولغا أهم سوق لشعوب الشمال البارد وبضائعهم النادرة.

ولذلك نجد معلومات وفيرة في كتب الرحالة والجغرافيين والبلدانيين العرب والمسلمين عن هذه المملكة، التي شكل سكانها في ما بعد مكوناً مهماً من مكونات الشعب الروسي الحديث.

من الجغرافيين المسلمين الكبار الذي زاروا مملكة الخزر وكتبوا عنها إبراهيم بن محمد الإصطخري المتوفى بعد العام 955م. ففي كتابه الشهير “مسالك الممالك”، كان يسجل ما يراه بنفسه، ولم يكتفِ بما ورد في مصنفات من سبقوه، ولذلك عده المستشرقون من جغرافيي الطبقة الأولى، ومن المصادر الأصلية التي اعتمدوها في دراسة تاريخ الكثير من الشعوب، ومنها شعب الخزر المنقرض.

الإقليم والعاصمة

يقول الإصطخري في تعريفه للمصطلحات المتعلقة بهذا الموضوع: “الخزر هو اسم الإقليم، وقصبته (عاصمته) تسمى أتل. وأتل اسم النهر الذي يجري إليه من (بلاد) الروس وبلغار. و(مدينة) أتل قطعتان؛ قطعة على غربي هذا النهر المسمى الأتل، وهي أكبرهما، وقطعة على شرقيه. والملك يسكن في الغربي منهما. ويسمى الملك بلسانهم بك ويسمى أيضاً باك. وهذه القطعة (أي الغربية) مقدارها في الطول نحو فرسخ. ويحيط بها سور إلا أنه مفترش البناء (مبعثر)، وأبنيتهم خركاهات لبود (أي الخيام التركية المعروفة)، إلا شيئاً يسيراً بني من طين. ولهم أسواق وحمّامات، وقصر الملك بعيد من شط النهر وقصره من آجر، وليس لأحد بناء من آجر غيره، ولا يسوِّغ الملك لأحد أن يبني بالآجر. ولهذا السور أبواب أربعة، منها إلى ما يلي النهر، ومنها إلى ما يلي الصحراء على ظهر المدينة”.

وحول التركيبة السكانية لهذه المملكة، يقول: “ملكهم يهودي يقال إن له من الحاشية نحو أربعة آلاف رجل، والخزر مسلمون ونصارى ويهود، وفيهم عبدة أوثان، وأقل الفرق اليهود، وأكثرهم المسلمون والنصارى، إلا أن الملك وخاصته يهود، والغالب على أخلاقهم أخلاق أهل الأوثان؛ يسجد بعضهم لبعض عند التعظيم. ولهم أحكام خصوا بها على رسوم (معاملات) قديمة مخالفة لدين المسلمين واليهود والنصارى، وللملك من الجيش اثنا عشر ألف رجل. وإذا مات منهم رجل أقيم آخر مكانه”.
ويشير رحالتنا إلى أن النصف الشرقي من المدينة (أتل) فيه معظم التجار والمسلمين والمتاجر، ويقول إن المسلمين، في ما يقال، عددهم يزيد على عشرة آلاف مسلم، ولهم نحو ثلاثين مسجداً. أما لسان الخزر فهو غير لسان الترك والفرس، كما يؤكد، ولا يشبهه لسان أي مجموعة أخرى من الأمم سوى البلغار.

وحول ملامحهم وبعض عاداتهم، يقول رحالتنا: “الخزر لا يشبهون الأتراك، وهم سود الشعر. وهم صنفان؛ صنف يسمون قراخزر. وهم سمر يضربون لشدة السمرة إلى السواد، كأنهم صنف من الهند، وصنف بيض ظاهرو الحسن والجمال. والذي يقع من رقيق الخزر هم أهل الأوثان الذين يستجيزون بيع أولادهم، واسترقاق بعضهم بعضاً. فأما اليهود منهم والنصارى فإنها تدين بتحريم استرقاق بعضهم بعضاً مثل المسلمين”.

الموارد والقضاء

ويخبرنا الإصطخري بأن موارد هذه المملكة قليلة “فليست لهم جراية دارَّة إلا نزر يسير يصل إليهم في المدة الطويلة”، ويقول: “أبواب مال هذا الملك من الأرصاد، وعشور التجار على رسوم لهم من كل طريق وبحر ونهر، ولهم وظائف (أي ضرائب) على أهل المحال والنواحي من كل صنف، مما يحتاج إليه من طعام وشراب وغير ذلك”.

أما القضاء، فكان يتم عن طريق سبعة قضاة من اليهود والنصارى والمسلمين وأهل الأوثان، وحول آليات التقاضي يقول: “إذا عرض للناس حكومة (أي قضية) قضى منها هؤلاء. ولا يصل أهل الحوائج إلى الملك نفسه، وإنما يصل إلى هؤلاء الحكام، وبين هؤلاء في يوم القضاء، وبين الملك سفير يراسلونه في ما يجري من الأمر وينتهون إليه، فيرد عليهم أمره ويمضونه”.

وحول موارد مدينة أتل الزراعية، يخبرنا الإصطخري بأنه ليس لها قرى، وإنما مزارع مفترشة تمتد نحو عشرين فرسخاً (نحو 80 كم)، يخرجون إليها في الصيف ليزرعوا ويجمعوا بعض محاصيلهم على النهر، والبعض الآخر على الصحارى، فينقلون غلاتهم بالعجلات وفي النهر. ويقول إن الغالب على طعامهم الأرز والسمك، أما العسل والشمع، فهو قادم إليهم من نواحي بلاد الروس والبلغار. ويشير إلى أن الجلود والفرو تصدر من بلاد الخزر إلى مختلف الآفاق، وتأتيهم عبر الأنهار من بلاد البلغار، والروس، وكويابة (كييف)، ولا تكون في أي أقاليم أخرى. أما منتوجات بلاد الخزر فتقتصر على الغراء الذي يصدر إلى الآفاق. وأما الزئبق، والعسل، والشمع، والخز (الحرير) والأوبار (أي الفرو)، فمجلوب إليها.

ويضيف: “لباس الخزر وما حواليها القراطف والأقبية، وليس يكون عندهم شيء من الملبوس (أي لا يصنعون ثيابهم)، وإنما يحمل إليهم من نواحي جرجان وطبرستان وأرمينية وأذربيجان والروم”.

نهر أتل ومدينة سمندر

في وصفه لنهل الأتل (أي نهر الفولغا الكبير)، يقول إنه يخرج من قرب خرخيز في سيبيريا، فيجري في ما بين الكيماكية والغزية (من شعوب الترك)، وهو، أي النهر، الحد بين الكيماكية والغزية، ثم يذهب غرباً على ظهر بلغار، ويعود راجعاً إلى ما يلي المشرق حتى يتجاوز الروس، ثم يمر على البلغار ثم على برطاس، حتى يصب في بحر الخزر.

ويضيف: “يقال إنه يتشعب من هذا النهر نيف وسبعون نهراً، ويبقى عمود النهر يجري على الخزر حتى يقع في البحر. ويقال إن هذه المياه إذا كانت مجموعة في نهر واحد أعلاه يزيد على جيحون، وبلغ من كثرة هذه المياه وغزارتها، أنها تنتهي إلى البحر فتجري في البحر داخلاً مسيرة يومين، وتغلب على ماء البحر حتى يجمد في الشتاء لعذوبته وحلاوته، ويبين في البحر لونه من لون ماء البحر”.

بعد ذلك يحدثنا عن مدينة الخزر الثانية المسماة سمندر، والتي تقع بين العاصمة أتل ومدينة باب الأبواب في داغستان الحالية. ويقول: “إن لها بساتين كثيرة، ويقال إنها تشتمل على نحو من أربعة آلاف كرم إلى حد بلاد السرير (شمال القوقاز)، والغالب على ثمارها الأعناب، وفيها خلق من المسلمين، ولهم بها مساجد، وأبنيتهم من خشب قد نسجت وسطوحهم مسنّمة، وملكهم من اليهود قرابة ملك الخزر، وبينهم وبين حد السرير فرسخان. وبينهم وبين صاحب السرير هدنة. وأما بلاد السرير المجاورة للخزر فهم نصارى”.

وفي شرحه لمعنى الاسم، يقول: “إن هذا السرير هو لبعض ملوك الفرس من ذهب، فلما زال ملكهم حمل إلى السرير وحمله بعض ملوك الفرس. بلغني أنه من أولاد بهرام جويين، والملك إلى يومنا هذا فيهم، ويقال إن هذا السرير عُمل لبعض الأكاسرة في سنين كثيرة. وبين السرير وبين المسلمين هدنة”.

نظام حكم بين الملك والخاقان

يستطرد الإصطخري في الحديث عن نظام حكم الخزر الغريب، فيقول: “عظيمهم يسمى خاقان خزر، وهو أجل من ملك الخزر، إلا أن ملك الخزر هو الذي يقيمه، وإذا أرادوا أن يقيموا هذا الخاقان جاؤوا به فيخنقونه بحريرة حتى إذا قارب أن ينقطع نفسه قالوا: كم تشتهي مدة الملك. فيقول كذا وكذا سنة، فإن مات دونها، وإلا قتل إذا بلغ تلك السنة”.

ويضيف بأن الخاقانية لا تصلح عندهم إلا في أهل بيت معروفين، مؤكداً أن الخاقان ليس له من الأمر والنهي شيء، “إلا أنه يعظَّم ويُسجَد له إذا دخل إليه، ولا يصل إليه أحد إلا نفر يسير، مثل الملك ومن في طبقته، ولا يدخل عليه الملك إلا لحادثة، فإذا دخل عليه تمرغ في التراب وسجد، وقام من بعد حتى يأذن له بالتقرب”.

ويذكر رحالتنا معلومة لافتة؛ وهي أنه إذا تعرضت مملكة الخزر لأمر عظيم مثل الحرب، فإن الخاقان يخرج، فلا يراه أحد من الأتراك ومن يصاقبهم من أصناف الأمم الأخرى إلا انصرف ولم يقاتله تعظيماً له. وإذا مات ودفن لم يمر بقبره أحد إلا ترجل وسجد، ولا يركب ما لم يغب عن قبره. ويقول الإصطخري: “يبلغ من طاعتهم لملكهم أن أحدهم ربما يجب عليه القتل ويكون من كبرائهم فلا يحب الملك أن يقتله ظاهراً، فيأمره أن يقتل نفسه، فينصرف إلى منزله ويقتل نفسه”.

وحول الأسرة الخاقانية، يخبرنا بأنهم قوم معروفون، ليس لهم مملكة ويسار، فإذا انتهت الرياسة إلى أحدهم عقدوا له ولم ينظروا إلى ما عليه من حال. ويقول: “لقد أخبرني من أثق به أنه رأى في بعض أسواقهم شاباً يبيع الخبز كانوا يقولون إن خاقانهم إذا مات فليس أحد أحق منه بالخاقانية، إلا أنه كان مسلماً، ولا تعقد الخاقانية إلا لمن يدين باليهودية”.

ويشير إلى أن قبة الذهب المشهورة عندهم، وكذلك سرير الملك لا يستخدمهما سوى الخاقان، ومضاربه إذا برزوا فوق مضارب الملك، ومسكنه في البلد أرفع من مسكن الملك. وهذا يشير إلى المكانة المعنوية الكبرى التي يتمتع بها، وهو وضع يشبه وضع الخليفة العباسي في مرحلة الضعف، حيث سيطر قادة الجند وأصبح السلطان التركي أقوى من الخليفة ذاته.

شعوب مجاورة

ويخبرنا بأن الروس والخزر والسرير، هي أسماء للممالك وليس للناس، في إشارة إلى التنوع السكاني الكبير الذي يميز هذه المناطق. ويحدثنا بعد ذلك عن أمة مجاورة للخزر تسمى برطاس، ليس بينهم وبين الخزر أمة أخرى. ويقول إنهم قوم منتشرون على وادي أتل، ويوضح أن برطاس اسم الناحية، وأن بيوتهم من الخشب، ويشير إلى شعب يسمى بسجرت، ويقول إنهم صنفان؛ صنف متاخمون للغزية على ظهر بلغار، ويقال إن مبلغهم نحو ألفي رجل ممتنعون في مشاجر، لا يقدر عليهم، وهم في طاعة بلغار، وصنف آخر متاخمون لشعب البجناك، ويقول إنهم والبجناك أتراك متاخمون للروم.

ومن البلدان المجاورة أيضاً بلغار، ويقول إنه اسم المدينة، وهم مسلمون، وفيها مسجد جامع، وبالقرب منها مدينة أخرى تسمى سوار فيها أيضاً مسجد جامع. ويقول رحالتنا: “أخبرني من كان يخطب بها أن مقدار عدد الناس بهاتين المدينتين نحو عشرة آلاف رجل، ولهم أبنية خشب يأوونها في الشتاء، وفي الصيف يفترشون في الخركاهات (أي الخيام التركية المستديرة). وأخبرني الخاطب بها إن الليل عندهم لا يتهيأ أن يسير فيه الإنسان أكثر من فرسخ في الصيف، وفي الشتاء يقصر النهار ويطول الليل، حتى يكون نهار الشتاء مثل ليالي الصيف”.

ويشير رحالتنا إلى أن البلغار هم الأعظم من بين هذه الشعوب، ويقول إنهم متاخمون للروم في شماليها، أي دولة بلغاريا الحالية، ويؤكد أن عددهم كثير يبلغ من قوتهم أنهم ضربوا خراجاً على ما يلي بلادهم من الروم، ويلفت النظر إلى أن هؤلاء البلغار الذين يسميهم بلغار الداخل هم من النصارى.

الروس وأصنافهم

حول الروس، يقول إنهم ثلاثة أصناف: صنف هم أقرب إلى بلغار، وملكهم يقيم بمدينة تسمى كويابة (كييف)، وهم أكبر من بلغار، وصنف أبعد منهم يسمونه الصلاوية (سلافيا)، وصنف يسمونه الأرثانية (سلوفينيا الحالية)، وملكهم مقيم بأرثا. ويقول إن الناس يبلغون في التجارة إلى كويابة، فأما أرثا فإنه لا يذكر أن أحداً دخلها من الغرباء، لأنهم يقتلون كل من وطأ أرضهم من الغرباء، وإنما ينحدرون في الماء يتجرون فلا يخبرون بشيء من أمورهم ومتاجرهم، ولا يتركون أحداً يصحبهم ولا يدخل بلادهم. ويحمل من أرثا السمور الأسود والرصاص.

ويقول إن الروس قوم يحرقون أنفسهم إذا ماتوا، وتحرق مع مياسيرهم الجواري بطيبة من أنفسهن، وبعضهم يحلق اللحى، وبعضهم يفتله مثل الذوائب، ولباسهم القراطف القصار (ثياب من المخمل). ولباس الخزر وبلغار وبجناك القراطق التامة. هؤلاء الروس يتجرون إلى الخزر ويتجرون إلى الروم. ويقول: “لسان بلغار مثل لسان الخزر، ولبرطاس لسان آخر، وكذلك لسان الروس غير لسان الخزر وبرطاس”.